-
بيئةفبراير 19، 2026
قطاع الصرف الصحّي في لبنان: مسارٌ نحو التنمية والاستدامة
- نديم فرج الله

انجـز مرصد الإصلاح هذا بدعـم مـن سفارة النرويج في بيروت. إنّ الآراء الـواردة فيه لا تعكـس بالضـرورة وجهـة نظـر الجهـة المانحـة.
ما المسألة المطروحة؟
يتعرّض قطاع الصرف الصحّي في لبنان منذ فترة طويلة للعديد من الانتقادات والملاحظات، حيث تنعكس مشكلاته مباشرةً على تدهوُر الموارد المائية في البلد. وتُؤكِّدُ دراساتٌ علمية كثيرة حجم التحدّي الكبير الذي يُواجِهه هذا القطاع. في دراسةٍ أجرتها ك. الشامية وزملاؤها في عام 2024، فُحصَت عشرة من الأنهار الرئيسية في لبنان، وتَبَيَّنَ أنَّ 60% منها تحتوي على مستويات من بكتيريا الإشريكية القولونية (إي كولاي) بنِسَب تتجاوز الحدود المسموح بها، في حين أنَّ 40% من الأنهار تتعدّى المعايير التي وضعتها منظّمة الأغذية والزراعة (الفاو) في ما يتعلّق بالبكتيريا القولونية البرازية في مياه الريّ.
كذلك، كشفت بيانات "المجلس الوطني للبحوث العلمية" (CNRS) في عام 2023 أنَّ أكثر من ثلث (38%) مواقع السباحة الساحلية المشمولة في الدراسة صُنِّفَت على أنَّها مُلوَّثة. تُظهِر هذه النتائج واقعًا وطنيًا مُؤسِفًا، حيث إنَّ الأنهار والمياه الساحلية والخزّانات الجوفية تتلوّث بشكلٍ متزايد بمياه الصرف الصحّي غير المُعالَجة أو المُعالَجة جزئيًا، ومخلّفات النفايات الصلبة، والمخلّفات الصناعية، وجريان المياه المُستخدَمة في الزراعة.
إذا أردْنا أن نفهم كيفَ وَصَلَ لبنان إلى هذه المرحلة، لا بدَّ من إعادة النظر في المسار الذي شهده البلد في أعقاب الحرب. فبعد انتهاء الحرب الأهلية في أوائل التسعينيات، حُدِّدَت أولويات إعادة الإعمار بناءً على المطالب المُلِحَّة للخدمات الأساسية. ووُضِعَت مسألة توفير مياه الشرب في صدارة الأولويات الوطنية، بينما جرى التعامل مع الصرف الصحّي وإدارة مياه الصرف الصحّي من خلال تدابير جزئية. وكانَ لهذا القرار عواقب طويلة الأمد، إذ تلقّى قطاع الصرف الصحّي استثمارات محدودة، وتأخَّرَ التطوير المؤسَّسي فيه مقارنةً بخدمات إمدادات المياه.
السياسات العامّة والإطار المؤسّساتي
برزَ هذا الخلل جليًّا في "برنامج مكافحة التلوُّث الساحلي" (CPCP) الذي أُطلِقَ بدعمٍ دولي في أواخر التسعينيات. أسهَمَ هذا البرنامج في بناء محطّات رئيسية لمعالجة مياه الصرف الصحّي على الساحل، إلى جانب تطوير شبكات أساسية لتجميع تدفّقات مياه الصرف الصحّي من المُدُن. ومع ذلك، كَشَفَ تنفيذ البرنامج عن وجود ثغرات جوهرية، إذ كانت الصلاحيات غير محدّدة بدقة بين ثلاث هيئات رئيسية: مجلس الإنماء والإعمار، ومؤسّسات المياه، والبلديات.
نتيجةً لذلك، أُنشئت المحطّات، ولكنْ لم يجرِ توصيلها وربطها بالكامل. وعملت محطّات المعالجة بأقلّ من طاقتها، أو لم تَصِلْ إلى مستويات المعالجة الكافية. وظلّت الشبكات البلدية غير مُكتمِلة في غالبية الأحيان، فيما استمرَّ مجلس الإنماء والإعمار في تحمُّل مسؤولية التشغيل والصيانة حتّى بعد عام 2000 وبعد عام 2010، علمًا أنَّ مؤسّسات المياه يُفترَض أن تتولّى هذا الدور قانونيًا. وفي نهاية المطاف، أدّى التشتُّت المؤسّسي وعدم وضوح آليات المساءلة إلى عجز البنية التحتية عن تقديم خدمات فعّالة.
التطوُّرات الإيجابية والتحدّيات المتبقّية
خلال العقدَيْن التاليَيْن، ظلَّ قطاع الصرف الصحّي يُعاني من نقص التمويل، والاعتماد الكبير على الجهات المانحة، وقلّة الكوادر. وجاءَ الانهيار المالي في الفترة 2019-2020 ليزيد من هذه الثغرات الهيكلية. وأدّى تقنين الكهرباء إلى تعطيل عمليات الضخّ والمعالجة، ما أجبر مؤسّسات المياه على الاعتماد على المولّدات العاملة على المازوت بكلفة عالية، سواء كانت ذات ملكية خاصّة أو للمؤسّسات العامّة.
ومع انعدام الإيرادات تقريبًا نتيجة تدهور قيمة العملة، واجهت مؤسّسات المياه صعوبة كبيرة في تغطية تكاليف المواد الاستهلاكية الأساسية والمواد الكيميائية وقطع الغيار. وتراكمت المتأخّرات للعديد من مُزوِّدي الخدمات، في حين أنَّ المشغّلين من القطاع الخاصّ، المسؤولين عن عقود التشغيل والصيانة، وجدوا أنَّهم عاجزون عن الاستمرار إذا لم تُسدَّد المدفوعات الحكومية. وهدّدت هذه الأزمة استمرارية عمليات معالجة مياه الصرف الصحّي، وخلقت خطرًا حقيقيًا بانهيار النظام بأكمله.
إدراكًا للتداعيات على الصحّة العامّة والبيئة، اتّخذت وزارة الطاقة والمياه، بالتعاون مع جهات مانحة دولية، خطوات عاجلة لمنع انهيار القطاع. وُضِعَت خطّة شاملة لتعافي القطاع، ووُفِّرَت تمويلات هامّة من الاتّحاد الأوروبي عبر اليونيسف بين العامَيْن 2022 و2023.
كانَ هذا التدخُّل الطارئ بالغ الأهمّية، إذ سمحَ باستمرار عمل محطّات معالجة مياه الصرف الصحّي الرئيسية ومحطّات الضخّ الأساسية، وتوفير الوقود والمواد الاستهلاكية الضرورية، وقَدَّمَ الدعم لمؤسّسات المياه من خلال الخبرات الهندسية. بالإضافة إلى ذلك، أُعيد تفعيل آليات الرقابة ورفع التقارير التي كانت قد توقّفت منذ عام 2019. والأهمّ من ذلك، أنَّ مؤسّسات المياه استعادت دورَها القانوني في إدارة القطاع، ما عَزَّزَ المسار المؤسّسي المنصوص عليه في القوانين الوطنية.
حتّى عام 2025، تُشير البيانات إلى إعادة تفعيل ما يُقارِب نصف إجمالي طاقة معالجة مياه الصرف الصحّي في لبنان بمستويات متفاوتة. تعمل بعض المحطّات في مراحل المُعالَجة الأوّلية أو الجزئية، بينما حقّقت محطّات أخرى كفاءةً مُحسَّنة مقارنةً بالسنوات السابقة. وساهمت فترة الاستقرار هذه في تحقيق مكاسب مؤسّسية ملحوظة: بدأت مؤسّسات المياه بإنشاء وحدات متخصّصة لمعالجة مياه الصرف الصحّي، وتَحَسَّنَ التنسيق بين وزارة الطاقة والمياه، ومجلس الإنماء والإعمار، ومؤسّسات المياه، والجهات المانحة، واستُؤنف جمع البيانات بشكلٍ منهجي. بالتالي، تُشكِّل هذه التطوُّرات تحوُّلًا هامًّا من حالة الفوضى سابقًا نحوَ منظومة وطنية أكثر ترابُطًا لإدارة مياه الصرف الصحّي.
التوصيات
لا يمكن الاستقرارَ وحده أن يُحقِّق تحسينات طويلة الأمد في جودة المياه. الآن، يقف القطاع أمامَ تحدٍّ جديد يتمثّل بالانتقال نحو الإدارة المستدامة والمتكاملة لمياه الصرف الصحّي. ولقد حُدِّدت عدّة متطلّبات أساسية:
- إنشاء أقسام رسمية لمعالجة مياه الصرف الصحّي ضمن كلّ مؤسّسة من مؤسّسات المياه.
- توظيف مهندسين وفنّيين مُدرَّبين.
- دمج رسوم معالجة الصرف الصحّي ضمن أنظمة الفواتير لدعم الاستدامة المالية.
- تأمين رسوم كهرباء مُخفَّضة لمؤسّسات المياه من أجل تخفيف الأعباء المالية المتعلّقة بتكاليف الطاقة.
- استخدام مصادر الطاقة المتجدّدة في المحطّات.
- إعادة استخدام مياه الصرف الصحّي المُعالَجة لتحسين إمدادات المياه.
- إنشاء إطار وطني لإعادة استخدام الحمأة والتخلُّص منها.
- المواءمة بين قانون المياه 192/2020 وقانون البلديات 118/1977 لإزالة أوجُه الغموض في الحوكمة.
- إطلاق برامج لتنمية القدرات وأنظمة الشهادات الموحّدة من أجل رفع مستوى احترافية القوى العاملة في القطاع.
ما أهمّية ذلك؟
يشهد قطاع الصرف الصحّي في لبنان مرحلةً حاسمة. فالأُسُس المطلوبة لتعافي القطاع باتت متوفّرة، مدعومةً باستثمارات كبيرة، وتنسيقٍ مؤسّسي مُعزَّز، وقدرات تشغيلية مُجدَّدة. ولكنَّ الطريق إلى الأمام يعتمد على استدامة هذا الزخم نحو الإصلاح، وتنفيذ التغييرات الهيكلية اللازمة، وإرساء أُطُر عمل مستقرّة للموارد المائية ومصادر الطاقة. ومن خلال التخطيط الاستراتيجي والإرادة السياسية الثابتة، يُمكن تحويل إدارة الصرف الصحّي من التزامٍ بيئي إلى عامل رئيسي في حماية الصحّة العامّة، واستعادة التوازن البيئي، وتعزيز الابتكار في الاقتصاد الدائري.
المراجع
المجلس الوطني للبحوث العلمية-لبنان – المركز الوطني لعلوم البحار. التقرير السنوي لتقييم جودة المياه الساحليةAnnual Coastal Water Quality Report (أحدث إصدار لعام 2025). بيروت: المجلس الوطني للبحوث العلمية.
الشامية، ك.، الحدّاد، ك.، الخطيب، خ.، جلخ، إ.، الكركي، ف.، زين الدين، ج.، عسّاف، أ.، حرب، ت.، صنايع، إ. ب. "تلوُّث مياه الأنهار في لبنان: أكبر تحدٍّ مُهمَّش للصحّة العامّة في البلد"River water pollution in Lebanon: the country’s most underestimated public health challenge. مجلّة الصحّة لشرق المتوسّط، الجزء 30، العدد 2، 2024، ص. 136-144.
نديم فرج اللهمسؤول أول لشؤون الاستدامة في الجامعة اللبنانية الأمريكية. عمل سابقًا خبيرًا علميًا أول ومهندسًا بيئيًا في القطاع الخاص، حيث ساهم في مشاريع تتعلق بالموارد المائية ودراسات التأثير البيئي والقدرة على مواجهة آثار تغير المناخ في جميع أنحاء الشرق الأوسط. أسس ويرأس برنامج تغير المناخ والبيئة في معهد عصام فارس التابع للجامعة الأمريكية في بيروت. وتتناول أبحاثه تأثيرات تغير المناخ في المجتمعات البشرية، وتأثير تغير المناخ في الأمن، والترابط بين المياه والطاقة والغذاء، وتنفيذ خطة عام 2030 في لبنان والمنطقة، وإدراج مفهوم الاستدامة في السياقات الأكاديمية.