-
اقتصادفبراير 03، 2026
تحفيز ريادة الأعمال: إصلاح إجراءات تأسيس الشركات في لبنان
- نوح السيّد

انجـز مرصد الإصلاح هذا بدعـم مـن سفارة النرويج في بيروت. إنّ الآراء الـواردة فيه لا تعكـس بالضـرورة وجهـة نظـر الجهـة المانحـة.
ما المسألة المطروحة؟
تُشكِّل الشركات الصغيرة والمتوسّطة العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، إذ تُمثِّل أكثر من 90 في المئة من المؤسّسات المُسجَّلة ويعمل فيها أكثر من نصف القوى العاملة الناشطة (البنك الدولي، 2020). ورغم هذا الدور الكبير، يُواجِه روّاد الأعمال اللبنانيون سلسلةً متشابكة من العقبات البيروقراطية والتنظيمية عندما يحاولون إطلاق أعمالهم أو تنظيمها، فيتعثّرون أمام خطوات الترخيص المتعدّدة، والمستندات المتكرّرة المطلوبة، فضلًا عن ارتفاع تكاليف المعاملات، الأمر الذي يحدّ من عزيمتهم على تنظيم أعمالهم ويُعزِّز من مظاهر الاقتصاد غير الرسمي (حيدر، 2013).
بحسب مؤشّر "سهولة ممارسة الأعمال" الصادر عن البنك الدولي، وقبل إيقافه في عام 2021، صُنِّفَ لبنان في المرتبة الـ143 من أصل 190 اقتصادًا في فئة "بدء الأعمال"، حيث يتطلّب الأمر سبعة إجراءات، بمتوسّط 15 يومًا، وبتكلفة تُعادِل 40 في المئة من الدخل الفردي (البنك الدولي، 2020). وكشفت الأزمة الاقتصادية التي بدأت في عام 2019 عن ثغرات هيكلية عميقة في الإدارة العامّة في لبنان، ما زادَ من تأخير مبادرات الإصلاحات الرقمية والقانونية. وفي ظلّ استمرار الأزمة، باتَ من الضروري تبسيط إجراءات تأسيس الشركات من أجل استعادة الثقة في المؤسّسات، والتشجيع على خلق فُرَص العمل، وجذب الاستثمارات (البنك الدولي، 2025).
حَدَّدَ إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار (3RF) - وهو مبادرة مشتركة بين الاتّحاد الأوروبي والأمم المتّحدة والبنك الدولي - عنصرَيْن أساسيَّيْن للتعافي الاقتصادي، وهما تبسيط الإجراءات الإدارية والشفافية التنظيمية. ويُؤكِّد هذا الإطار أنَّ تحسين بيئة الأعمال ليس مجرّد مسألة تقنية، بل هو جزءٌ لا يتجزّأ من بناء المساءلة والنزاهة في المؤسّسات العامّة (برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، 2024).
الإطار الحالي والتحدّيات
ما زالت إجراءات تأسيس الشركات في لبنان مجزّأة وتعتمد كثيرًا على العمل اليدوي. يتعيّن على روّاد الأعمال تصديق النظام الداخلي للشركة لدى كاتب العدل، والتسجيل في السجلّ التجاري التابع لوزارة العدل، والحصول على رقم تعريف ضريبي والتسجيل في ضريبة القيمة المضافة من وزارة المالية، وتسجيل الموظّفين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وتعمل كلّ جهة من هذه الجهات المذكورة بشكل مستقلّ، مع تبادل محدود للبيانات، في ظلّ عدم وجود منصّة رقمية موحّدة (البنك الدولي، 2025).
يخلق هذا التشتُّت تحدّياتٍ كثيرة. فالرسوم الإدارية وتكاليف التصديق لدى كاتب العدل تتجاوز 500 دولار غالبًا، ما يُشكِّل عبئًا على المشاريع التجارية الصغرى التي تُعاني من انخفاض قيمة العملة. كذلك، فإنَّ الإجراءات المُطوَّلة تَثني روّاد الأعمال عن إضفاء الطابع الرسمي على مشاريعهم، وتدفعهم نحو القطاع غير النظامي، حيث يعمل حاليًا أكثر من 55 في المئة من الشركات الصغرى والصغيرة في لبنان. الفئة الأكثر تأثُّرًا بهذه العقبات، فئة النساء رائدات الأعمال، وفئة روّاد الأعمال الشباب، إذ غالبًا ما تفتقر هاتان الفئتان إلى التمويل والمساعدة القانونية اللازمَيْن للتسجيل (برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، 2024).
أمّا التنسيق المؤسّسي فيُعتبَر مشكلةً أساسية أخرى. فلا توجد هيئة واحدة مسؤولة عن الإشراف على إصلاح إجراءات تأسيس الشركات، الأمر الذي يؤدّي إلى ازدواجية الجهود وضعف المساءلة. إضافةً إلى ذلك، لا يعترف قانون التجارة، الذي اعتُمِدَ في عام 1942، بالتواقيع الإلكترونية أو إجراءات التأسيس الرقمية. ونظرًا للأحكام القانونية المُتقادِمة، يصعب تنفيذ أنظمة الحكومة الإلكترونية الحديثة، ما يعوق جذب الاستثمارات الأجنبية. وتتراجع أيضًا الثقة العامّة بسبب المُوافَقات التي تُمنَح عشوائيًا دون معايير واضحة، وغموض هياكل الرسوم، فتزداد احتمالية الفساد والتلاعب (منظّمة الشفافية الدولية، 2020).
التطوُّرات الإيجابية
رغم القيود المستمرّة، برزت عدّة إصلاحات ومشاريع تجريبية ملحوظة منذ عام 2023. فقد أطلقت وزارة الاقتصاد والتجارة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، منصّة رقمية تجريبية هدفها تبسيط عملية تسجيل الشركات، وذلك ضمن إطار مشروع التعافي الاقتصادي للبنان. تتضمّن المنصّة ميزات رئيسية مثل حجز الاسم التجاري، وتحميل المستندات، وإمكانية تتبُّع الطلبات (برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، 2025).
واستكمالًا لهذه الجهود، طوّر مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية "السجلّ التجاري من خلال منصّة للتبادل البيني"، حيث تُدمَج البيانات من وزارة الاقتصاد والتجارة، ووزارة العدل، ووزارة المالية، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. يُقدِّم هذا النظام مُعرِّفًا للكيان القانوني (LEID)، ويسمح بالتواقيع الإلكترونية والدفع الإلكتروني، وبالتالي يُمثِّل خطوة هامّة نحو التحوُّل الرقمي الكامل (مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، 2025). تنسجم هذه المبادرات مع استراتيجية التحوُّل الرقمي في لبنان 2020-2030، التي تُعطي الأولوية لتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الشفافية، وتحديث الخدمات.
في عام 2024، صاغت وزارة الاقتصاد والتجارة مع وزارة العدل بعض التعديلات على قانون التجارة، وأَدرَجَت التواقيع الإلكترونية ومُعرِّفًا تجاريًا فريدًا يربط بين سجلّات الضرائب والضمان الاجتماعي. يهدف هذا الإصلاح أيضًا إلى تبسيط إجراءات تأسيس الشركات ذات المسؤولية المحدودة وتخفيض الحدّ الأدنى لرأس المال المطلوب. علاوةً على ذلك، التزمت الحكومة، بموجب إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار، نشر معايير الخدمة ومدّة إجراء المعاملات والرسوم من أجل تعزيز الشفافية (برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، 2024).
من جهة أخرى، انخرطَ لبنان في عمليات تبادل الخبرات على المستوى الإقليمي. نجحت دائرة مراقبة الشركات في الأردن في تبسيط إجراءات التسجيل من خلال التحوُّل الرقمي الكامل وتكامل العمليات (وكالة الأنباء الأردنية، 2024)، في حين أنَّ دولة الإمارات العربية المتّحدة تُقدِّم نموذجًا للترخيص الرقمي الموحّد يُقلِّل كثيرًا من تكاليف الامتثال (وزارة الاقتصاد الإماراتية، 2023). وأبرمت غرف التجارة والجمعيات التجارية المحلّية شراكات مع منظّمات دولية مثل المصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير ولجنة الأمم المتّحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) من أجل تقديم الدعم التقني لتنظيم وضع الشركات الصغيرة والمتوسّطة (المصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير، 2024؛ الإسكوا، 2023).
التوصيات
لكي يُحقِّق لبنان الفائدة القصوى من إمكانات قطاع الشركات الصغيرة والمتوسّطة، يجب ألّا تقتصر الإصلاحات على المشاريع التجريبية، وأن تُعالِج العوائق الهيكلية أمام تسجيل الشركات. ينبغي إنشاء نظام رقمي متكامل يضمّ وزارة الاقتصاد والتجارة، ووزارة المالية، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ووزارة العدل، لتمكين روّاد الأعمال من إتمام جميع إجراءات التسجيل إلكترونيًا. فهذا النظام يُقلِّل من الفترة الزمنية التي تستغرقها المعاملات، ويضمن اتّساق البيانات، ويحدّ من التفاعلات المباشرة التي قد تؤدّي إلى الفساد.
ويجب أن يقترن هذا التسهيل الإجرائي بتحديثٍ للإطار القانوني، وتحديدًا تطوير قانون التجارة والاعتراف رسميًا بالتواقيع الإلكترونية وسجلّات الشركات الرقمية (منظّمة الشفافية الدولية، 2020). ويجب إرساء مبدأ الشفافية من خلال نشر هياكل الرسوم والمدّة الزمنية للمعاملات، إلى جانب تفعيل آليات الشكاوى للإبلاغ عن أيّ تأخير أو مُخالَفة. في هذا الصدد، يمكن تعزيز المساءلة من خلال وضع "مواثيق الخدمة" العامّة التي تُحدِّد مسؤوليات الجهات المعنيّة.
من المهمّ أيضًا إدراج مبدأ الشمول في صلب عملية تصميم الإصلاحات، وذلك من خلال تقديم رسوم مخفّضة للمؤسّسات التي تُديرها نساء وتلك التي يُديرها شباب صغار في السنّ، فضلًا عن إعداد برامج تدريبية للتثقيف الرقمي في المناطق الريفية (برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، 2024). ختامًا، يُعتبَر نظام الرصد والتقييم الفعّال أمرًا بالغ الأهمّية. فتتبُّع تسجيلات الشركات الجديدة ومدّة إنجاز المعاملات ومعدّلات التسجيل الرسمي عبر منصّات البيانات المفتوحة يسمح لمنظّمات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث بتقييم التقدُّم المُحرَز وقياس أثر السياسات العامّة.
ما أهمّية ذلك؟
تبسيط إجراءات تسجيل الشركات ركيزة أساسية للتعافي الاقتصادي في لبنان وتعزيز شرعية الدولة. فإطار التسجيل الفعّال والشفّاف والرقمي يدعم مباشرةً ركائز "إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار"، وهي الشفافية والمساءلة والتعافي الاقتصادي (برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، 2024). ومن الناحية الاقتصادية، إنَّ تسهيل إجراءات تسجيل الشركات يُساهِم في تعزيز الانتقال إلى القطاع النظامي، ويُشجِّع الابتكار. وتُشير أبحاث منظّمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي إلى أنَّ تحسين الطابع النظامي في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسّطة والحدّ من عوائق التسجيل، من شأنه أن يُعزِّز فُرَص العمل والإنتاجية بشكل ملحوظ (منظّمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، 2023).
يُضاف إلى ذلك أنَّ الشركات الصغيرة والمتوسّطة النظامية أكثر قُدرة على الوصول إلى التمويل وأسواق التصدير وبرامج الحماية الاجتماعية. ومن منظور الحوكمة، فإنَّ الرقمنة تحدّ من الفساد من خلال تقليل القرارات الشخصية وضمان تتبُّع المعاملات. ويُسهِم نشر بيانات الأداء في إعادة بناء ثقة الجمهور وخلق الزخم المطلوب من أجل تحقيق كفاءة الإجراءات البيروقراطية. وعندما تكون هذه الجهود شمولية من الناحية الاجتماعية، فهي تسمح بتمكين الفئات المهمّشة وتُوسِّع نطاق حصولها على الضمان الاجتماعي ومزايا العمل. وعلى المستوى الاستراتيجي، تُقدِّم بيئة الأعمال المُحسَّنة صورةً إيجابية أمام المستثمرين والمغتربين اللبنانيين في الخارج بأنَّ الدولة جدّية في مسار الإصلاح والحوكمة.
بالتالي، لا شكَّ في أنَّ تبسيط إجراءات تسجيل الشركات يُمثِّل ركيزةً جوهرية لإعادة ترميم العقد الاجتماعي بين المواطنين/ات والدولة. ومن خلال الربط بين التحديث الإداري والحوكمة النزيهة، يمكن دفع عجلة النموّ الاقتصادي الشامل في لبنان مع وضع الأُسُس المؤسّسية اللازمة لتعزيز الشفافية والمساءلة.
المراجع
المصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير. (2024، 5 حزيران/يونيو). المصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير والاتّحاد الأوروبي يُطلِقان برنامجًا جديدًا لدعم المؤسّسات اللبنانية. EBRD and EU launch new programme to support Lebanese enterprises. المصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير. https://www.ebrd.com/home/news-and-events/news/2024/ebrd-and-eu-launch-new-programme-to-support-lebanese-enterprises.html
حيدر، ج. ا. (2013، 8 كانون الثاني/يناير). أين نحن من تنظيم الأعمال في لبنان؟ وإلى أين نذهب؟ مدوّنات البنك الدولي. https://blogs.worldbank.org/en/arabvoices/business-regulations-lebanon-where-are-we-where-do-we-go-now
وكالة الأنباء الأردنية (بترا). (2024، 1 نيسان/أبريل). الأردن يشهد زيادةً بنسبة 8% في تسجيل الشركات الجديدة خلال الربع الأوّل من عام 2024. Jordan sees 8% surge in new company registration in Q1 2024. https://petra.gov.jo/Include/InnerPage.jsp?ID=58560&lang=en&name=en_news&cat=en_news
منظّمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. (2023). توقعات منظّمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي للمؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة وريادة الأعمال لعام 2023. OECD SME and entrepreneurship outlook 2023. منظّمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. https://www.oecd.org/en/publications/oecd-sme-and-entrepreneurship-outlook-2023_342b8564-en.html
مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية. (2025). السجلّ التجاري من خلال منصّة للتبادل البيني. مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية. https://www.omsar.gov.lb/Digital-Transformation/Automation-Applications/Commercial-Register-through-Interoperable-Platform?lang=ar-lb
منظّمة الشفافية الدولية. (2020). بناء النزاهة والمساءلة الوطنية في لبنان (مشروع بناء). Building Integrity and National Accountability in Lebanon (BINA’). https://www.transparency.org/en/projects/building-integrity-and-national-accountability-in-lebanon-bina
وزارة الاقتصاد الإماراتية. (2023). تأسيس الشركات: التقديم إلكترونيًا وخطوات تأسيس شركتك في دولة الإمارات. https://www.moet.gov.ae/establishing-companies?p_p_resource_id=PageHelpFul
برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي. (2024). صندوق تعافي لبنان – تقرير التقدُّم السنوي لعام 2023. Lebanon Recovery Fund – 2023 Annual Progress Report. برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي. https://mptf.undp.org/sites/default/files/documents/2025-05/lebanon_recovery_fund_2024_narrative_report.pdf
الإسكوا. (2023). المراجعة السنوية لأهداف التنمية المستدامة لعام 2023: القطاع الخاصّ وأهداف التنمية المستدامة في المنطقة العربية. Annual SDG review 2023: The private sector and the SDGs in the Arab region. الإسكوا. https://www.unescwa.org/publications/annual-sdg-review-2023
البنك الدولي. (2020). ممارسة الأعمال في عام 2020: مقارنة أنظمة الشركات في 190 بلدًا. Doing Business 2020: Comparing business regulation in 190 economies. https://documents1.worldbank.org/curated/en/688761571934946384/pdf/Doing-Business-2020-Comparing-Business-Regulation-in-190-Economies.pdf
البنك الدولي. (2025). مرصد الاقتصاد اللبناني، ربيع 2025: تحوُّل في المسار؟ https://www.worldbank.org/en/country/lebanon/publication/lebanon-economic-monitor-spring-2025-turning-the-tide
نوح السيّدحاصل على شهادة أكاديمية في مجال الاقتصاد، ويُجري أبحاثًا ودراسات تحليلية حول السياسات العامّة في المركز اللبناني للدراسات. وهو يُواصِل دراسته حاليًا للحصول على درجة الماجستير في الاقتصاد التطبيقي من الجامعة اللبنانية الأمريكية.