• حوكمة
    أكتوبر 29، 2026

    نحو رؤية جديدة للأمن في لبنان: أولويات المواطنين أساسًا لاستراتيجية وطنية

    • ديما سمَيْرة
    نحو رؤية جديدة للأمن في لبنان: أولويات المواطنين أساسًا لاستراتيجية وطنية
    المصدر: فاضل عيتاني عبر أ ف ب

    انجـز المقال هذا بدعـم مـن سفارة النرويج في بيروت. إنّ الآراء الـواردة فيه لا تعكـس بالضـرورة وجهـة نظـر الجهـة المانحـة.


    لماذا يحتاج لبنان إلى استراتيجية أمنية أوسع نطاقًا؟

    أبرزت الأزمات المتداخلة التي شهدها لبنان، وتجدُّد النزاع فيه، الحاجة إلى استراتيجية أمنية وطنية تُعالِج الأبعاد المتعدّدة لانعدام الأمن الذي يواجهه البلد وسكّانه. ومع ذلك، تركَّز النقاش بشأن الأمن إلى حدّ كبير على مسألة السلاح وبسط سلطة الدولة.

     

    وعلى الرغم من أهمية هاتَيْن المسألتَيْن، ينبغي تناولهما ضمن استراتيجية تُقيِّم كيفية تفاعل مصادر انعدام الأمن المختلفة، وتُصنِّف الأولويات، وتوضِّح المسؤوليات المؤسّسية، وتحدّد التدابير العسكرية والدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية اللازمة لتوفير حماية فعلية.

     

    وبعد التصعيد الذي شهده شهر آذار/ مارس 2026، باتت هذه المهمة أكثر إلحاحًا من أيّ وقتٍ مضى. فقد تسبّب تجدّد النزاع بين إسرائيل و"حزب الله" بدمار واسع النطاق، شمل قرى بأكملها، وبنزوح جماعي، فيما أدّى استمرار الاحتلال والهجمات إلى حالة شديدة من انعدام الأمن بالنسبة إلى الكثير من المجتمعات المحلية، وسط غموض يكتنف آفاق العودة والتعافي.

     

    وسلّط النزاع الضوء أيضًا على تداعيات اتّخاذ قرارات عسكرية خارج مؤسّسات الدولة. لذلك، تُعدّ معالجة الدور العسكري الذاتي لـ"حزب الله" شرطًا أساسيًّا، ولكن يجب صياغة استراتيجية أوسع للدفاع الوطني وحماية المدنيّين، تحدّد كيفية تحقيق هذا الهدف.

     

    اتخذت الحكومة اللبنانية بالفعل قرارات و خطوات  لبسط سلطة الدولة على السلاح وتعزيز دور الجيش اللبناني. ففي خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس جوزاف عون في كانون الثاني/ يناير 2025، ربط هذَيْن الهدفَيْن بسياسة دفاعية متكاملة ضمن استراتيجية أمنية وطنية أشمل، وصفها لاحقًا بأنها تشمل أبعادًا دبلوماسية واقتصادية ومؤسّسية ومجتمعية.

     

    ومع ذلك، حظيت هذه الطموحات الأوسع باهتمام أقلّ من مسألة السلاح. وتثير الجهود الدولية الرامية إلى حشد الدعم للجيش اللبناني، بما فيها الاجتماع الذي عُقد في فرنسا في أيلول/ سبتمبر والخطط الرامية إلى إنشاء بعثة أوروبية للتدريب والدعم، سؤالًا جوهريًّا: أيّ استراتيجية أمنية يُراد دعمها؟ ففي غياب أولويات وطنية محدّدة، ومسؤوليات مؤسّسية واضحة، وموارد مخصّصة تتناسب معها، قد لا تؤدّي التغييرات في الترتيبات الأمنية إلى تعزيز الحماية أو ثقة المواطنين.

     

    بالاستناد إلى بحث أجراه المركز اللبناني للدراسات (LCPS) قُبَيْل التصعيد الذي شهده شهر آذار/ مارس 2026 مباشرةً، ترى هذه المقالة أنّ تجارب المواطنين مع انعدام الأمن وأولوياتهم الأمنية ينبغي أن تُسهم في بلورة عملية أوسع نطاقًا، ذات ملكية وطنية وشاملة للجميع، لوضع استراتيجية لبنان الأمنية.

     

    ما كانت آراء اللبنانيّين قبل التصعيد الأخير؟

    جمعَ البحث الذي أجراه المركز اللبناني للدراسات في كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير 2026، قُبَيْل التصعيد الذي شهده شهر آذار/ مارس، بين استطلاع رأي تمثيلي على المستوى الوطني شمل 2,400 لبناني، و21 مناقشة ضمن مجموعات تركيز في مختلف أنحاء البلاد. وتُظهر النتائج أن المواطنين عانوا من انعدام الأمن بوصفه ظاهرة متعدّدة الأبعاد وتراكمية وطويلة الأمد.

     

    وعندما سُئل المستجيبون عن التهديدات التي تثير أكبر قدر من القلق لدى أسرهم، اختار 57.3٪ منهم انعدام الأمن الاقتصادي، و41.7٪ النزاعات السياسية والطائفية الداخلية، و35.9٪ الهجمات الخارجية، و30.3٪ السرقة أو غيرها من الأنشطة الإجرامية. وبالمثل، وصف المشاركون في مجموعات التركيز العنف الخارجي والانهيار الاقتصادي وضعف إنفاذ القانون وانتشار السلاح غير المنظّم والتفكّك الاجتماعي بوصفها مصادر متداخلة لانعدام الأمن يعزّز بعضها بعضًا. وبعد سنوات من الأزمات المتداخلة، أصبحت الضغوط المتراكمة بحدّ ذاتها سمة أساسية من سمات انعدام الأمن.

     

    وتفاوتت هذه التجارب أيضًا بين المناطق. فقد برزت الهجمات الخارجية بوصفها مصدرَ قلقٍ رئيسيًّا، ولا سيّما في المحافظات المُعرَّضة مباشرةً للأعمال العدائية، فيما كانت المخاوف المرتبطة بالنزاعات الداخلية والأنشطة الإجرامية أوضح في مناطق أخرى. صحيحٌ أنه لا يمكن لاستراتيجية أمنية وطنية أن تعالج جميع المشكلات الاقتصادية أو تلك المرتبطة بالحوكمة، ولكنْ ينبغي لها تقييم كيفية تفاعل التهديدات العسكرية والاقتصادية والسياسية والتهديدات التي تواجه المواطنين في حياتهم اليومية، وتحديد الأولويات، وتوضيح المسؤوليات الموزّعة بين مؤسّسات الدولة وشركائها المحليّين والدوليّين، وتحديد الأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية المطلوبة، وتلك المرتبطة بالحوكمة والسياسات الاجتماعية.

     

    تكشف النتائج عن اختلافات مهمّة وراء المكانة القوية التي يحظى بها الجيش اللبناني على المستوى الوطني. فقد اعتبر 76.7٪ من المستجيبين على مستوى البلاد أنّ الجيش اللبناني هو الجهة التي يثقون بها أكثر من غيرها للحفاظ على أمن مجتمعاتهم المحلية. لكنّ بعض المشاركين في مجموعات التركيز في المناطق المتضرّرة مباشرةً من الأعمال العدائية شكّكوا في امتلاك الجيش الموارد أو القدرات الكافية أو حرية اتخاذ القرار والتحرّكلتوفير الحماية.

     

    وأظهر الاستطلاع أيضًا تفاوتًا مرتبطًا بالانتماء الطائفي، إذ اختار 56.5٪ من المستجيبين الشيعة الجيش اللبناني، فيما اختار 30.3٪ منهم الأحزاب السياسية أو الجماعات المسلّحة. أمّا في صفوف المستجيبين المسيحيّين والسنّة والدروز، فقد اختار أكثر من 82٪ الجيش اللبناني، مقابل أقل من 4٪ اختاروا الأحزاب السياسية أو الجماعات المسلّحة.

     

    وتكشف هذه النتائج عن ثقة واسعة بالجيش اللبناني، وإن كانت متفاوتة بين الفئات. فقد حظيَ الجيش بثقة الأغلبية لدى جميع الفئات، ما يوفّر أساسًا مهمًا لأيّ عملية تحوّل أمني، فيما احتفظت الجهات الفاعلة غير التابعة للدولة بمستوى ملحوظ من الدعم لدى المستجيبين الشيعة.

     

    وعند قراءة هذه الاختلافات في ضوء النتائج المناطقية ومناقشات مجموعات التركيز، يتبيّن أنه لا ينبغي فهمها ببساطة على أنها تعبير عن ولاءات متنافسة بين الدولة و"حزب الله"، بل هي قد تعكس جزئيًّا تفاوتًا في مدى التعرّض للنزاع واختلافًا في تقييم قدرة مؤسّسات الدولة على توفير الحماية في الوقت الراهن. فقد ربط بعض المشاركين الجهات الفاعلة غير التابعة للدولة بتقديم الدعم المحلي السريع وتولّي دور الدفاع، فيما رأى آخرون أنها تثير الانقسامات أو تُسهِم في انعدام الأمن والتشرذم السياسي.

     

    وظهرت هذه التعقيدات نفسها في أولويات المستجيبين في ما يتعلق بالنزاع مع إسرائيل. فقد حلّ وقف الهجمات وضمان الانسحاب الإسرائيلي وعودة المحتجزين في المرتبة الأولى بنسبة 47.4٪، تلاها بفارق ضئيل تعزيز قدرات الجيش اللبناني بنسبة 45.5٪. واختار 35.5٪ إعادة الإعمار وعودة النازحين، و34٪ بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، و31.2٪ نزع سلاح الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة.

     

    غالبًا ما تُطرح هذه الأهداف في النقاش السياسي بوصفها مواقف متنافسة. لكنّ النتائج تشير إلى خلاف ذلك. إذ يبدو أنّ الكثير من اللبنانيين يتطلّعون إلى وقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار والعودة الآمنة، مع تأييدهم في الوقت نفسه تعزيز مؤسّسات الدولة وتوسيع نطاق سلطتها العامة على القرارات الأمنية. وبالتالي، لا يكمُن التحدّي في الاختيار بين هذه الأهداف، بل في وضع استراتيجية قادرة على تحقيقها معًا.

     

    لكنّ الاستطلاع سجّل قدرًا أقل من التوافق بشأن كيفية تحقيق ذلك. فقد حظيَ كلٌّ من تعزيز آلية مراقبة وقف إطلاق النار لعام 2024، والسعي إلى إجراء مفاوضات مباشرة، ورفض المفاوضات بالكامل، بمستويات دعم متقاربة عمومًا على المستوى الوطني، مع بروز تفاوتات واضحة بين المناطق.

     

    لذلك، إنّ النقاش بشأن شرعية التفاوض وكيفية إجرائه لا يقتصر على السياسة الخارجية. ففي سياق داخلي يتّسم بالاستقطاب، يمكن أن يؤدّي الخلاف بشأن شرعية المفاوضات وشكلها إلى تفاقم انعدام الثقة. فضلًا عن ذلك، يجب أن تُعالِج أيّ عملية تحوّل أمني قابلة للتطبيق كيفية السعي إلى تحقيق أهداف لبنان، وكيفية إدارة الخلاف بشأن خريطة الطريق، من دون تعميق التوتّرات بين المكوّنات المجتمعية.

     

    في الواقع، بلغت المخاطر مستويات مرتفعة فعلًا. فبحلول كانون الثاني/ يناير 2026، كان 61٪ من المستجيبين يعتقدون أنّ التماسك الاجتماعي قد تراجع أو تراجع إلى حدّ ما منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. وربط المشاركون في مجموعات التركيز هذا التدهور بالنزوح والاستقطاب السياسي والخطاب الذي أعاد إحياء انعدام الثقة بين الطوائف. ومنذ ذلك الحين، تفاقمت أعباء الحرب والاحتلال، وظلّت موزّعة بصورة شديدة التفاوت.

     

    وفي مجتمع يعاني أساسًا من انقسامات عميقة، تكتسب هذه التفاوتات أبعادًا سياسية ومجتمعية أوسع، ولا سيّما في المناطق التي دُمّرت فيها قرى بأكملها، بما فيها مقوّمات العيش والخدمات والمؤسّسات والأُسُس التراثية التي تقوم عليها الحياة فيها، وطال أمد النزوح وتعذّرت العودة. وفي ظلّ هذه الظروف، قد تؤدّي عملية تحوّل أمني يُنظر إليها على أنها مفروضة من الخارج، أو على أنها تُغيّر موازين القوى على حساب شريحة من السكان من دون تحسين أمنها، إلى تعميق الانقسامات القائمة.

     

    من سياسة بشأن السلاح إلى استراتيجية أمنية

    ينبغي ألّا تصبح الاستراتيجية الأمنية الوطنية مجرّد تسمية أخرى للمفاوضات بشأن سلاح "حزب الله"، بل يجب أن يكون هدفها ربط أيّ تحوّل يتعلّق بالسلاح بخطة موثوقة للدفاع الوطني والحماية.

     

    تحتلّ السيادة ومفهوم  الدولة مكانة محورية في النقاش العام في لبنان، لكن غالبًا ما يُختزَل المفهومان في ممارسة السلطة على الأراضي والسيطرة على القوة المسلّحة. وعلى الرغم من أنّ هذَيْن البُعدَيْن أساسيان، فإنهما لا يشكّلان تعريفًا شاملًا لأيٍّ منهما. فالسيادة لا تعني أنّ الدول تعمل بمفردها، إذ تُمارِس الدول سلطتها العامة من خلال القانون والمؤسّسات، وغالبًا ما تضطلع بمسؤولياتها بالشراكة مع جهات فاعلة محلية غير تابعة للدولة، ومن خلال ترتيبات دولية.

     

    وتعتمد فعالية الدولة أيضًا على قدرتها على حماية المواطنين وتوفير الخدمات وصون الحقوق، وعلى اعتراف المواطنين بالمؤسّسات العامة بوصفها مؤسّسات شرعية وتمثيلية وجديرة بالثقة. ولا يعني ذلك ضرورة معالجة جميع أوجه القصور في الحوكمة قبل التصدّي لمسألة السلاح، بل يعني أنّ احتكار مؤسّسات الدولة لسلطة استخدام القوة لن يؤدّي، في حدّ ذاته، إلى إرساء منظومة أمنية فعّالة أو شرعية.

     

    لذلك، يجب أن تُعالِج الاستراتيجية الوطنية ثلاثة أسئلة مترابطة. أولًا، ما التهديدات التي ينبغي للبنان أن يعطيها الأولوية، في ظلّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي والهجمات الإسرائيلية، واحتمال تجدّد التصعيد، وعدم الاستقرار الداخلي، وانعدام الأمن الاقتصادي، والعنف الإجرامي؟ وكيف يمكنه الاستجابة لاختلاف تجارب المواطنين مع هذه التهديدات في مختلف أنحاء البلاد؟

     

    ثانيًا، ما المهام التي يمكن الجيشَ اللبناني والمؤسّساتِ الأخرى الاضطلاع بها بصورة واقعية؟ وكيف يمكن الجهاتِ الفاعلة المحلية غير التابعة للدولة والجهات الدولية المساهمة ضمن إطار واضح ومعلن وخاضع للمساءلة؟ وما القدرات والموارد والإصلاحات اللازمة لتحقيق ذلك؟

     

    ثالثًا، كيف يمكن إعادة تنظيم المسؤوليات الأمنية من دون تعريض الجيش لمواجهة داخلية، أو التسبّب بفراغ أمني، أو ترك السكان المتضرّرين من النزاع يشعرون بأنهم تُركوا لمصيرهم؟

     

    تقدّم التحليلات الأخيرة، بما فيها الأعمال البحثية الصادرة عن مؤسّسة "بديل"، مساهمات مفيدة في هذا النقاش. يحتاج لبنان أن يُعيد النظر في كيفية ترجمة المهمة الحالية للجيش اللبناني إلى عقيدة عسكرية محدّثة وإصلاحات مؤسّسية وأولويات عملياتية تتلاءم مع الظروف الداخلية والإقليمية المتغيّرة.

     

    وينبغي أن يشمل ذلك مهمة الجيش في الدفاع الخارجي ومسؤولياته في مجال الأمن الداخلي، والعلاقة بينهما. كذلك ينبغي أن يدعم المجتمع الدولي هذه الأولويات المحدّدة وطنيًّا، بدلًا من التركيز بصورة أساسية على الموارد اللازمة للإشراف على نزع السلاح فقط.

     

    ونظرًا إلى اختلال موازين القوى العسكرية مع إسرائيل، لا يمكن أن يستند نهج لبنان في الدفاع الخارجي إلى وعدٍ غير واقعي بتحقيق التكافؤ العسكري، بل يمكن أن يشمل تطوير قدرات على إعاقة تحقيق الأهداف العسكرية للخصموتعزيز القدرة على الصمود، من خلال الحدّ من أوجه الهشاشة، وجعل عمليات التوغّل أكثر صعوبة، وحماية البنية التحتية الحيوية، والحفاظ على استمرارية الوظائف الأساسية للدولة في ظلّ الهجمات. وينبغي أيضًا أن تترافق أيّ عملية تحوّل عسكري تدريجية مع تدابير اجتماعية واقتصادية وعملية سياسية قادرة على بناء الثقة.

     

    لا تعني الملكية الوطنية التحرّر من جميع القيود الخارجية. فبعض عناصر الترتيبات الأمنية المستقبلية للبنان، بما فيها المساعدات الدولية وآليات المراقبة والتشكيلة المحتملة لأيّ قوة تخلف قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ستخضع بالضرورة للتفاوض مع جهات فاعلة خارجية.

     

    وينبغي للاستراتيجية الوطنية أن توضّح الأولويات اللبنانية، وتوفّر معايير لتقييم المقترحات الخارجية، وتُدرِج التعاون مع الجهات الخارجية ضمن إطار محلي أوسع. ولا يستدعي ذلك بالضرورة تأخير المبادرات الدبلوماسية الملحّة، بما فيها المبادرات التي يُعمَل عليها من خلال الإطار الثلاثي، لكنه يتطلّب إجراء مشاورات مناسبة وإخضاع هذه المبادرات للرقابة مع تطوّرها إلى التزامات سياسية أو قانونية. وينبغي ألّا تحلّ الرعاية الخارجية أو الضغوط أو الإكراه محلّ الخيارات المحدّدة وطنيًّا.

     

    كذلك، ينبغي ألّا يجعل لبنان كل تقدّم على الصعيد الداخلي مشروطًا بإحراز تقدّم في المفاوضات الخارجية أو بالحصول على دعم دولي قد لا يتحقّق. فالانسحاب الإسرائيلي والوقف الفعلي للهجمات وممارسة ضغوط دولية موثوقة على إسرائيل تظلّ أهدافًا أساسية، لكنّ عدم تحقيقها لا يمكن أن يشكّل مبرّرًا للتقاعس عن اتخاذ أي إجراء.

     

    يمكن لبنانَ العمل على مسارات متوازية تشمل المضيّ قدمًا في الإصلاحات المتّفق عليها وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وتعزيز حماية المدنيّين وقدرة المؤسّسات على الصمود، وتوثيق الانتهاكات ومواصلة ممارسة الضغوط الدبلوماسية والقانونية، والتخطيط لإعادة الإعمار والعودة الآمنة، وإجراء المشاورات السياسية والتواصل مع المجتمعات المحلية، وهما شرطان لازمان لمنع الفتنة الداخلية. في الوقت نفسه، إنّ مطالبة الجيش بتوسيع نطاق انتشاره ومواجهة "حزب الله" داخليًّا والتعويض عن اختلال موازين القوى العسكرية مع إسرائيل، من دون توفير الموارد الكافية أو الدعم السياسي اللازم، قد تؤدّي إلى إضعافه بدلًا من تعزيز قدراته.

     

    هذا ويتطلّب المستقبل المؤسّسي لعناصر "حزب الله" وقدراته أيضًا تقييمًا تقنيًّا وسياسيًّا. وقد تشمل الخيارات تسريح العناصر، أو دمج بعضهم بصورة انتقائية، أو نقل وظائف أو أصول معيّنة، أو اعتماد ترتيبات أخرى تحت قيادة موحّدة للدولة. وتنطوي عملية التحوّل أيضًا على بُعد اجتماعي واقتصادي، إذ ستؤثّر في المقاتلين وغيرهم ممّن تعتمد سُبُل عيشهم على الشبكات العسكرية والاجتماعية المرتبطة بـ"حزب الله"، فضلًا عن السكان الذين يعتمدون على الخدمات المرتبطة بالحزب.

     

    لذلك، يُعَدّ دعم التوظيف وإعادة الإدماج، والتنمية المحلية، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وتعزيز الحماية الاجتماعية التي توفّرها الدولة، عناصر مهمة للاستقرار الاجتماعي ومصداقية عملية التحوّل على حدّ سواء. ولا تدعو هذه المقالة إلى اعتماد نموذج مؤسّسي بعينه، بل إلى إرساء عملية تتيح تقييم هذه الخيارات بصورة علنية واستباق تداعياتها.

     

    عملية ذات ملكية وطنية وشاملة للجميع

    يحتاج لبنان إلى عملية وطنية تجمع هذه العناصر معًا. وليس من الضروري أن يكون هدفها إعادة فتح النقاش بشأن المبدأ القائل إنّ قرارات الحرب والسلم يجب أن تبقى في يد مؤسّسات الدولة، بل وضع هذا المبدأ ضمن استراتيجية أمنية وطنية أوسع، وتحديد كيفية السعي إلى تحقيق أهدافها، وتقييم الترتيبات المؤسّسية والأدوار اللازمة لتنفيذها. ومن شأن هذه العملية أن تبحث في كيفية اضطلاع الدولة بمسؤولياتها، وتوفير الحماية، وبناء الدعم السياسي والاجتماعي اللازم لتنفيذ الاستراتيجية.

     

    فالقرارات الرسمية الأخيرة المتعلّقة بالسلاح لا تضمن، في حدّ ذاتها، أنها ستُنفَّذ على أرض الواقع. فمن غير المرجّح أن ينجح نهج يُفرض بالكامل من أعلى إلى أسفل، في ظلّ محدودية موارد الدولة، وارتباط الدعم الخارجي بشروط، وخشية شريحة كبيرة من السكان من أن تتحمّل كلفة هذه العملية من دون أن تحصل على الحماية في المقابل.

     

    لا تتطلّب الملكية الوطنية إجماعًا على جميع القرارات، ولا تمنح أي طرف حقّ نقض غير محدّد المدة. لكنّها تتطلّب، في مجتمع يعاني من انقسامات عميقة ويعتمد نظامًا لتقاسم السلطة، مشاركة فعلية وترتيبات يجري التفاوض بشأنها وضمانات موثوقة، إلى جانب عملية تتيح للفئات المعنية التأثير في مسار التحوّل الأمني.

     

    وينبغي أن تشمل هذه العملية المؤسّسات المسؤولة عن الأمن والسياسة الخارجية والحماية الاجتماعية وإعادة الإعمار، والجهات السياسية الفاعلة المعنية، وخبراء عسكريّين ومدنيّين، فضلًا عن إجراء مشاورات فعلية مع السكان في المناطق الأكثر تضرّرًا من النزاع. ولا تكتسب المشاركة الشاملة أهميتها من ضرورة اختزال السياسة الأمنية في مساومات بين المكوّنات المجتمعية، بل من حقيقة أنّ الاستراتيجيات تكون أكثر فعالية واستدامة عندما تستجيب لتجارب المواطنين مع انعدام الأمن، وتضمن توزيع الأعباء والحماية بصورة منصفة.

     

    وعليه، ينبغي أن يشمل جدول أعمال هذه العملية تقييمًا مشتركًا للتهديدات وترتيبها بحسب الأولوية، وتحديد مهام الجيش اللبناني والمؤسّسات الأخرى ومسؤولياتها، ومعالجة الجوانب العسكرية والسياسية والمؤسّسية والاجتماعية والاقتصادية لعملية التحوّل، وحماية المدنيّين وإعادة الإعمار والعودة، ووضع آليات للمساءلة العامة والمراجعة.

     

    وينبغي أيضًا أن تحدّد هذه العملية كيفية السعي إلى تحقيق أهداف لبنان في مجال الدفاع الخارجي، بما في ذلك الأدوات الدبلوماسية والقانونية والسياسية المتاحة، ودور الترتيبات الدولية، والخيارات الممكنة للتعامل مع تعثّر المفاوضات أو الإخلال بالالتزامات.

     

    وفي حين أنّ جدول الأعمال هذا متعدّد الأبعاد،ولكنه ليس بلا حدود. ويتمثّل هدفه الأساسي بضمان أن تؤدّي التغييرات في الترتيبات الأمنية للبنان إلى تعزيز الأمن، بدلًا من مجرّد إعادة توزيعأوجه الهشاشة. وتكشف نتائج البحث الذي أجراه المركز اللبناني للدراسات عن ثقة كبيرة بالجيش اللبناني وتوافق ملحوظ بين أولويات المواطنين، لكنها تُظهر أيضًا اختلافات واضحة في تصوّرات التهديدات ومستويات الثقة بقدرة الدولة على توفير الحماية. وتشكّل هذه الاختلافات دليلًا على المسائل التي يجب أن تعالجها أيّ استراتيجية قابلة للتطبيق.

     

    ربما كانت القرارات الأخيرة التي اتخذها رئيس الجمهورية والحكومة قد أطلقت عملية لإعادة تشكيل المنظومة الأمنية في لبنان، لكنها لا تحلّ التحدّيات السياسية والمؤسّسية المرتبطة بالتنفيذ. وفي غياب عملية شاملة للجميع وذات ملكية وطنية، تستند إلى تجارب المواطنين في تحديد التهديدات والأولويات والمسؤوليات ووسائل الحماية، قد ينتهي الأمر بلبنان إلى إرساء سياسة بشأن السلاح، من دون أن تكون لديه استراتيجية لتحقيق الأمن.

    ديما سمَيْرة

     ديما سمَيْرة باحثة رئيسة في المركز اللبناني للدراسات. وهي أيضًا باحثة أولى زائرة في جامعة كينغز كوليدج لندن، وأستاذة محاضرة في الدراسات السياسية والعلاقات الدولية. تحمل ديما شهادة دكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة دورهام، ومتخصصة في دراسات السلام والنزاع.

اشتركوا في نشرتنا الإخبارية
شكرًا للإشتراك في نشرتنا الإخبارية