-
حوكمةأغسطس 17، 2020
لبنان بحاجة إلى حكومة مستقلة تتمتّع بسلطة تشريعية
- زياد أبو ريش، منير مهملات، وسيم مكتبي، سامي عطالله
في أعقاب انفجار 4 آب 2020 في بيروت، اضطرّت حكومة رئيس الوزراء حسان دياب لتقديم استقالتها نتيجة الضغط الشعبي والنزاع بين أطراف النخبة السياسية. في الواقع، تكثر العوامل التي حالت دون نجاح الحكومة في اتمام مهمتها في التخفيف من حدة أي من أزمات البلد المتعددة والمتفاقمة. فقد كانت تفتقر إلى الاستقلالية عن النخب الحزبية التي عمدت بدورها الى تقييد هامش تحرّكها سياسياً. إضافة إلى ذلك، تدخّل مجلس النواب أكثر من مرّة لعرقلة عمل مجلس الوزراء كي يحافظ على مصالح النخب السياسية.
إلا أن استقالة الحكومة ليست ضمانة لتحقيق أي شيء من شأنه أن يخرج عن السياسة اللبنانية المعتادة. وفي السعي نحو تسوية سياسية جديدة، تفضّل عدّة أحزاب سياسية وحكومات أجنبية حالياً تشكيل "حكومة وحدة وطنية" تمثّل جميع الفصائل السياسية الرئيسية. ومن المفترض أن تضمن الشمولية المزعومة لحكومة من هذا النوع توافقاً سياسياً يفضي الى تعزيز احتمال تمرير الإصلاحات في المجلس النيابي.
غير أنّ مثل هذه الحكومة لن تؤدي إلا إلى تفاقم حالة الاستياء في لبنان. إن التواطؤ على وجه التحديد بين هذه الأحزاب وتقسيمها لسلطة الدولة والموارد العامة وامتيازات الحكم الأخرى هو المسؤول إلى حد كبير عن الأذى والمعاناة والإحباط في صفوف العديد من اللبنانيين منذ نهاية الحرب الأهلية (1975-1990). وقد سهّلت هذه المجموعات الحزبية نفسها والنظام السياسي الذي أنشأته لوقوع انفجار مرفأ بيروت وتدمير نصف العاصمة تقريباً. لذا، لن تحظى أي حكومة وحدة وطنية بما يكفي من القبول الشعبي – الشعب الذي قضى شهورًا في الشوارع مطالباً بالانتقال نحو نظام سياسي واقتصادي قابل للمساءلة وشفاف ومتجاوب.
تتطلب الأزمات اللبنانية العديدة والملحة والمتداخلة حكومة مستقلة تتألف من رجال ونساء أكفاء يتقاسمون رؤية مشتركة لقيادة البلاد إلى الأمام. وكي تكون هذه الحكومة فعالة، يجب أن تتمتع أيضًا بسلطات تشريعية. إذ إن مجلس النواب يمنح الحكومات التي تتمتع بهذه الصلاحيات الحق في إصدار مراسيم ذات قوة تشريعية بشأن مجموعة محددة من القضايا، وعلى وجه التحديد معالجة الأزمة الحالية. ومن شأن مثل هذه الحكومة أن تسمح بالانفصال عن الجهات السياسية التي دفعت البلاد إلى الهاوية. كما يمكنها تنفيذ سياسات وإصلاحات جوهرية سريعة وفعالة تسمح بتخفيف الأزمات وتسهيل الانتقال إلى دولة مسؤولة وشفافة تستجيب لمواطنيها ومسؤولة تجاه اللاجئين/ النازحين والعمال المهاجرين وغيرهم من المجموعات من غير المواطنين في لبنان. بغياب هذا النوع من السلطات، أي حكومة جديدة - بغض النظر عن مدى استقلاليتها - ستقع فريسة التدخلات السياسية من جانب النخب التي تستخدم البرلمان كمرتكز للإبقاء على الوضع الراهن.
لكن أغلبية الكتل البرلمانية لن تقبل على الأرجح بحكومة مستقلة ذات كفاءة وصلاحيات. في نهاية المطاف، حكومة كهذه ستهدّد مصالحهم الخاصة وحتى وجودهم السياسي. بيد أن إحتمال تجدّد الاحتجاجات الشعبية وغيرها من أشكال التعبئة الشعبية التي تطالب بشكل أساسي بحكومة من هذا القبيل قد يشكّل ضغطاً على الأحزاب السياسية المهيمنة لإفساح المجال أمام حكومة مستقلة فعلاً تتمتع بسلطة تشريعية محددة. ومن الأهمية بمكان أيضًا أن يعيد المجتمع الدولي النظر في تواطؤ تلك الأحزاب لدعم إعادة إنتاج الوضع الحالي نفسه ووقف دعمه للأحزاب التي تشكل النخبة السياسية.
علاوة على ذلك، ليس لبنان غريباً على الحكومات التي تتمتع بالسلطة التشريعية، أقلّه قبل اتفاق الطائف، حيث لجأت النخب السياسية إلى مثل هذه الحكومات، تحديداً للالتفاف على الصراع السياسي والمعوقات الإجرائية التي كانت تمنع الاستجابات السريعة والفعالة للأزمات. وأول حكومة من هذا النوع تمتعت بصلاحيات تشريعية هي حكومة رياض الصلح المستقلة (أيلول 1943 – كانون الثاني 1945) التي تم تفويضها في عام 1944 لإنشاء أطر العمل المؤسسية لتولّي المصالح المشتركة التي كانت تحت الانتداب الفرنسي[1]. وبين عامي 1952 و1988، منح المجلس النيابي اللبناني السلطة التشريعية الموسّعة لسبع حكومات (الشكل 1).[2]
اختلفت الصلاحيات التشريعية الخاصة بهذه الحكومات السبع من حيث طول الولاية التي تراوحت بين شهرين كحدّ أدنى وتسعة أشهر كحدّ أقصى. في جميع الحالات، منح مجلس النواب تلك الحكومات السلطة التشريعية في مجموعة محددة من مجالات السياسة العامة، لا سيما إنشاء المؤسسات العامة، وإعادة تنظيم و/ أو إلغاء المؤسسات الموجودة. وفي أغلب الأحيان، كان لهذه الحكومات سلطة تشريعية في قضايا الاقتصاد والتنمية والمالية والضرائب والشؤون الاجتماعية والداخلية. وقد أنتجت هذه الحكومات مجتمعةً أكثر من 350 مرسومًا اشتراعيًا، بمتوسط 50 مرسومًا اشتراعيًا لكل حكومة. وعكست هذه السلطات التشريعية التي مُنحت لمجلس الوزراء الرغبة في إجراء إصلاحات سريعة ولّدت الثقة واستجابت في بعض النواحي لمطالب التعبئة الشعبية و/ أو شكّلت ضرورة لوقف الأزمات. صحيح أن فعالية هذه الحالات بشكل عام عكست استمرارية المصالح المهيمنة، لكن العديد من الإصلاحات التي تم إدخالها سلّطت الضوء على قدرة الصلاحيات التشريعية على إحداث تغيير سياسي ملحوظ.
[1] كانت المصالح المشتركة بمثابة وحدات إدارية مستقلة عن بيروقراطيات الدولة اللبنانية والسورية امتدت خدماتها على كامل مناطق الانتداب الفرنسي على بلاد الشام. وكانت تحت سيطرة البيروقراطية الاستعمارية الفرنسية المباشرة وتضمنت تلك المؤسسات التي تدير الجمارك والاحتكارات والامتيازات والحجر الصحي والعديد من المجالات الأخرى.
[2]عدا هذه الحالات السبع، كانت الرسوم الجمركية مجال التفويض الأكثر شيوعًا (لفترة شبه مستمرة بين عامي 1956 و1986). في الواقع، هذا الأمر الوحيد الذي منح بشأنه البرلمان السلطة التشريعية لحكومات ما بعد الطائف (1990-2016).
الشكل 1: الحجم، وفترة الولاية، والمهلة وأنواع المراسيم الاشتراعية الصادرة عن الحكومات ذات السلطة التشريعية

على سبيل المثال، صدر أول قانون انتخابي يضمن حق المرأة في التصويت، والذي لطالما رفضته البرلمانات المتعاقبة آنذاك، في شكل مرسوم اشتراعي في عهد حكومة خالد شهاب (أيلول 1952 – نيسان 1953). وعلى الرغم من الجهود المبذولة والضغط المتكرر والنقاشات العامة، حُرمت المرأة اللبنانية باستمرار من حق الاقتراع منذ إنشاء الدولة اللبنانية. ولم يكن هذا الاستبعاد دستوريًا على الإطلاق بل كان نتيجة مباشرة لقوانين انتخابية مختلفة حكمت الانتخابات البرلمانية المتعاقبة (والبلدية منها حتى عام 1952). وفي مواجهة حملة الاقتراع المركزة التي قادتها المرأة، أصدرت حكومة شهاب أولاً قانوناً انتخابياً منح "النساء المتعلمات" حق التصويت في الانتخابات النيابية التالية لعام 1953. وردّاً على هذا الاستثناء المرفوض، استمرّت الحركة النسائية - جنباً إلى جنب مع حلفائها السياسيين – ومارست الضغط في نهاية المطاف على حكومة شهاب لتعديل قانون الانتخابات. وكنتيجة لذلك، أصبحت المرأة اللبنانية قادرة على التصويت والترشح في الانتخابات النيابية للمرة الأولى وبشكل ثابت منذ ذلك الحين.
في حالة أخرى، استطاع مجلس الوزراء الذي يتمتع بسلطة تشريعية، العمل بسرعة لاستعادة الثقة في الاقتصاد ومنع حدوث أزمة مالية. وقام هذا التفويض خلال الحرب العربية الإسرائيلية في حزيران 1967، حيث حدد السلطات بشأن "الأمور الاقتصادية والمالية" وكذلك "السلامة العامة والأمن الداخلي". وعندما أدى اندلاع الحرب إلى حالة من الهلع في صفوف المودعين، سارعت حكومة رشيد كرامي (كانون الأول 1966 – آب 1968) الى إدخال قانون ضبط رأس المال لمنع التهافت على البنوك وألغته ما إن تأكّدت من عدم حصول ذلك.
وبهدف معالجة أثر السنتين الأوليين من الحرب الأهلية، أو ما يُعرف بحرب السنتين، مُنحت حكومة سليم الحص (كانون الأول 1976 – تموز 1979) سلطات تشريعية مرتين. حيث سنّت العديد من القوانين التي أدت إلى تغييرات مؤسسية طويلة الأمد. وشمل نطاق السلطات التشريعية "إعادة إعمار البلاد" و"تطوير وتنظيم الشؤون المالية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والدفاعية والإعلامية والتعليمية". وفي هذا السياق بالذات، أصدرت حكومة الحص قانونًا جديدًا للبلديات في عام 1977 (القانون نفسه الذي شكّل قاعدة للنظام البلدي في لبنان حتى اليوم) وتجسّد بذلك مجلس الإنماء والإعمار.
صحيح أن صلاحيات الحكومات السبع اختلفت من حيث نطاق السلطة التشريعية، وعدد المراسيم التشريعية الصادرة وتوزيعها عبر مجالات السياسة العامة، لكن حصلت عليها جميعها في أعقاب أزمات كبرى: استقالة الرئيس بشارة الخوري عام 1952؛ ثورة 1958؛ الحرب العربية الإسرائيلية 1967؛ حرب السنتين (1975–1976) ضمن الحرب الأهلية اللبنانية؛ الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982؛ وانهيار الليرة اللبنانية عام 1984.
لا شك أن كل هذه السياسات والتغييرات لا تعكس، سواء بشكل فردي أو جماعي، تطلعات غالبية السكان واحتياجاتهم، لكن هذه الأمثلة والتاريخ الموسع الذي استُمدّت منه تسلط الضوء على نتيجتين رئيسيتين للحكومات التي مُنحت السلطة التشريعية. أولاً، في كل عقد من العقود التي مرّت بعد الاستقلال، قامت البرلمانات اللبنانية (بدعم من رؤسائها المعاصرين) بمنح الحكومات سلطة تشريعية للتصدي بشكل سريع للأزمات السياسية و/ أو الاقتصادية و/ أو الاجتماعية. صحيح أن الحكومات ذات السلطة التشريعية هي استثناء، لكنها ليست بالشيء المستجد في تاريخ لبنان السياسي. ثانيًا، سمحت هذه الحالات للحكومات بالتخفيف من حدة الأزمات و/ أو بإدخال تغيير مؤسسي وهيكلي. فمن خلال قدرتها على سنّ سياسات لها قوة القانون، نجحت بشكل عام في الحؤول دون الانزلاق في دوامة الانحدار المستمر.
نظراً للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية غير المسبوقة التي تواجه البلاد اليوم، فإن الحاجة ماسّة لتشكيل حكومة كفؤة وذات صلاحيات تسمح لها بالعمل بشكل مستقل عن الأحزاب السياسية التقليدية. ويعمد العديد من الشخصيات والجماعات المعارضة التقدمية والمستقلة الى مناقشة عملية تشكيل مثل هذه الحكومة المختصة والمستقلة. فبدون سلطة تشريعية، حتى أكثر الحكومات كفاءة واستقلالية ستفشل في تحقيق التغييرات اللازمة لانحسار الأزمات المتعددة المتفاقمة في لبنان.
يعطي تاريخ لبنان الحافل بالحكومات التي تتمتع بالصلاحيات نظرة لما يمكن أن تحققه مثل هذه الحكومة. فقد تشتمل هذه السلطات على إعطاء الحكومة صلاحيات لتصميم قانون انتخابي جديد وإقراره، فضلاً عن تفويض لجنة انتخابية تدير الانتخابات التالية على أسس عادلة وتفتح المجال لعملية انتقالية سياسية. علاوة على ذلك، قد تسمح بمعالجة الأزمات المالية والنقدية والمصرفية وأزمة العملة، من خلال كل من التدقيق الجنائي في جميع المؤسسات المشكوك بتورطها فضلاً عن قانون ضبط رأس المال وغيره من التدابير المؤقتة ريثما تتوفر معلومات كافية لطرح خطة متوسطة إلى طويلة المدى لمعالجة هذه الأزمات وتجاوزها. علاوة على ذلك، يمكن لمجلس الوزراء الذي يتمتع بسلطة تشريعية أن يسن استجابة حكومية مركزية للانفجار. ويشتمل ذلك على جهود البحث والإنقاذ، وتقديم المساعدات الطبية وغيرها من أشكال المساعدة للمحتاجين، ووضع آلية شفافة وخاضعة للمساءلة للتحقيق في العوامل المختلفة التي أدت إلى انفجار المرفأ وتحديد هوية المسؤولين. هذا بالإضافة الى ضرورة حصول استجابة مركزية وذات مغزى لوباء كوفيد-19 الذي وصل إلى حدّ طرح أزمة خطيرة في لبنان.
كما الحال في الماضي، يمكن للحكومة التي تُمنح السلطة التشريعية أن تستخدم صلاحياتها لوضع أجندة يسمح بإحداث تغيير مؤسسي مستدام وطويل الأمد. كما يمكنها أن تسعى لإعطاء المرأة اللبنانية الحق في منح جنسيتها إلى أطفالها على غرار الرجل اللبناني حاليًا. وهذا واحد من الإصلاحات الكثيرة التي لطالما طالبت بها الحركات النسوية، لكن من شأنه أن يشكّل سابقة مهمة. أخيرًا، يمكن لمجلس الوزراء الذي يتمتع بسلطة تشريعية أن يسن الإصلاحات القضائية اللازمة لجعل القضاء مؤسسة مستقلة حقًا، وهذا بدوره ضروري لمحاسبة جميع الأفراد والجهات الفاعلة الجماعية في لبنان، سواء كانت عامة أو خاصة، عن سلوكها في الانتخابات، وفي الاقتصاد، وفي الانفجار وغير ذلك من الأمور الكثيرة.
زياد أبو ريش باجثمنير مهملات إستشاري في المركز اللبناني للدراسات، تترّكز أبحاثه حول الاقتصاد السياسي للإصلاحات، وهو مهت ّم باستكشاف الظروف أو تعيق التعاون ّ ل التي تسه السياسي. وهو حائز على شهادة دكتوراه في الاقتصاد السياسي من جامعة مدينة دبلن.وسيم مكتبي Former researcher at LCPSسامي عطالله المدير التنفيذي السابق للمركز اللبناني للدراسات