-
اقتصادأبريل 30، 2026
إصلاح سوق اليد العاملة الأجنبية في لبنان
- لينا س. مدّاح
حقوق الصور (من اليمين إلى اليسار): تشارلز فريد / Flickr؛ أنور عمرو / AFP؛ كريستان روخاس / Pexels.انجـز مرصد الإصلاح هذا بدعـم مـن سفارة النرويج في بيروت. إنّ الآراء الـواردة فيه لا تعكـس بالضـرورة وجهـة نظـر الجهـة المانحـة.
ما المسألة المطروحة؟
يُشكِّل العمّال الأجانب المُهاجِرون نحو ربع القوى العاملة في لبنان، ويستأثرون بحصّة كبيرة من قطاعات العمل المنزلي والزراعة والبناء في البلد. ورغم دورهم/نَّ المهمّ في الاقتصاد، ما زالوا يعملون في ظلّ حماية قانونية واجتماعية ضعيفة، ما يُعرّضهم/نّ للاستغلال بشكل منهجي.
بين العامَيْن 2018 و2021، سجّلت وزارة العمل 745,025 إجازة عمل، بما في ذلك تصاريح الدخول للمرّة الأولى وتجديدات التصاريح. ومع ذلك، لا تعكس هذه الأرقام سوى جزء بسيط من الواقع، حيث لا يزال عشرات الآلاف من العمّال خارج النظام الرسمي، وذلك بسبب طرق التوظيف العشوائية ونظام الكفالة الذي يضبط وضعهم/نّ القانوني.
بموجب نظام الكفالة، ترتبط إقامة العامل الأجنبي بصاحب عمل معيّن (الكفيل)، الذي يتحكّم بإجازة العمل وتجديدها، وحتّى حقّ العامل في مغادرة البلد. أدّى هذا النظام إلى استغلالٍ منهجي، بدءًا من سرقة الأجور، ومصادرة جوازات السفر، وفرض ساعات عمل مفرطة، وصولًا إلى تقييد حركة العمّال والعاملات. وفقًا لمنظّمة العمل الدولية، يُقدَّر عدد اليد العاملة الأجنبية في قطاع الخدمة المنزلية في لبنان بنحو 250,000، معظمها من النساء الإثيوبيات والفيليبينيات والسريلانكيات، حيث أبلغت 72% منهنَّ عن تعرُّضهنَّ للإساءة، في حين أنَّ 40% يتعرّضْنَ لسرقة الأجور.
وجاءَ الانهيار الاقتصادي في عام 2019، الذي تفاقمَ بسبب جائحة كوفيد-19 وانفجار مرفأ بيروت، ليكشف عن هشاشة هذا النظام بشكلٍ أكبر. وإذ تراجعت قيمة الليرة اللبنانية بأكثر من 98%، تَخَلَّفَ العديد من أصحاب العمل عن دفع الرواتب، فيما تلاشت القدرة الشرائية للعمّال الأجانب، الذين يتقاضون رواتبهم غالبًا بالعملة المحلّية. أدّت الأزمة أيضًا إلى هجرة أعداد كبيرة من اليد العاملة الأجنبية الماهرة وغير الماهرة، ما زادَ الضغط على القطاعات الحيوية وضاعفَ مشكلة العمل غير النظامي.
في الوقت نفسه، وبسبب عدم وجود نظام وطني لتوقُّع احتياجات سوق العمل أو تنظيم التوظيف، فُقِدَ التوازن بين العرض والطلب. ولا يزال أصحاب العمل يعتمدون على اليد العاملة غير المحميّة التي تتقاضى أجورًا متدنّية، بينما تفتقر الدولة إلى آليات فعّالة لتوجيه تدفّقات اليد العاملة الأجنبية نحو الأولويات الاقتصادية أو التزامات حقوق الإنسان.
نظامٌ مُتقادِم خارج عن سياق الواقع المُعاصِر
إطار العمل الخاصّ بالعمّال الأجانب في لبنان عالقٌ في الماضي، فهو مُفكَّك وغير استباقي وغير قادر على حماية حقوق العمّال أو تلبية المتطلّبات المُتغيِّرة للاقتصاد المتعثّر. ونظامُ الكفالة، المأخوذ عن نماذج قديمة مُستخدَمة في دول عربية أخرى، لا يزال يُساهِم في تقويض ممارسات العمل العادلة والمساءلة المؤسّسية.
تُظهِر التحليلات المُقارَنة من سياقات أخرى أنَّ الأنظمة القائمة على البيانات والحقوق من شأنها أن تُحسِّن الكفاءة الاقتصادية وحماية العمّال. على سبيل المثال، يُقدِّم "دليل المهن ذات التغطية الصعبة" في إسبانيا (CDCO) تقييمًا فصليًّا ديناميًّا لنقص العمالة في مختلف المناطق والقطاعات، ما يضمن توظيف العمّال الأجانب فقط في حال عدم كفاية العرض المحلّي. أمّا مسح "إكسلسيور" الإيطالي، الذي طوّرته وزارة العمل بالتعاون مع اتّحاد غرف التجارة والصناعة الإيطالية (UnionCamere)، فيتنبّأ بشكلٍ منهجي بنقص المهارات في 27 قطاعًا، ويتضمّن توقّعات ديموغرافية ومهنية وإقليمية. تُساعِد هذه المنهجيات في مواءمة تدفّقات اليد العاملة الأجنبية مع واقع السوق، وتسمح للحكومات باتّخاذ تدابير استباقية لمواجهة التغيُّرات الهيكلية.
في المقابل، يفتقر نظام العمل في لبنان إلى التنسيق بين وزارة العمل وإدارة الإحصاء المركزي وجمعيات أصحاب العمل. ويؤدّي هذا الواقع إلى بياناتٍ رديئة الجودة، وحصص غير واضحة، وسياسات غير استباقية. وغالبًا ما تعمل وكالات التوظيف غير الرسمية من دون رقابة، بينما تسمح آليات التفتيش الضعيفة بانتشار العمالة غير المُسجَّلة، وخصوصًا في قطاعَي العمل المنزلي والزراعة.
علاوةً على ذلك، إنَّ اعتماد لبنان على اليد العاملة الأجنبية، التي لديها مهارات محدودة وتتقاضى أجورًا متدنّية، يُساهِم في تقليص الاستثمارات المخصّصة لتطوير مهارات المواطنين اللبنانيين. وإذ يتركّز العمّال الأجانب في قطاعات البناء والخدمات وأعمال الرعاية، لا يوجد حافز كبير لدى أصحاب العمل لتدريب العمّال اللبنانيين أو رفع مستوى الإنتاجية. والنتيجة سوقٌ مزدوجة لليد العاملة، الأُولى رسمية، لكنَّها آخذة في التقلُّص، والأخرى غير رسمية، وقليلة الكلفة، ومُهمَّشة من السياسات الحكومية بمعظمها.
الحاجة المُلِحَّة للإصلاح
إنَّ إصلاح إطار اليد العاملة الأجنبية في لبنان أمرٌ بالغ الأهمّية لسببَيْن أساسيَّيْن: متطلّبات التعافي الاقتصادي وضرورة تطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية. ومع سقوط النموذج الذي كانَ سائدًا قبل الأزمة -القائم على التدفُّقات المالية والتحويلات المالية واليد العاملة ذات الكلفة المتدنّية– تُتاحُ الآن فرصةٌ سانحة لإعادة النظر في دور العمّال الأجانب ضمن إطار التعافي المُثمِر والشامل.
أوّلًا، من الضروري تعزيز آليات تقييم سوق العمل. ينبغي للنظام الوطني أن يقيس بانتظام الطلب على اليد العاملة الأجنبية، مع مراعاة الاتّجاهات الديموغرافية، وحاجات القطاعات، والاختلافات بين المناطق. يمكن الحكومةَ اللبنانيةَ أن تتبنّى بعض العناصر من النظامَيْن، الإسباني والإيطالي، المذكورَيْن أعلاه، من خلال تطوير "نظام معلومات سوق العمل" (LMIS) الذي يدمج البيانات من وزارة العمل، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وأصحاب العمل في القطاع الخاصّ.
ثانيًا، يجب تنظيم ممارسات التوظيف وضبطها. حاليًا، معظم العمّال الأجانب يُوظَّفون عبر وكالات خاصّة تفرض رسومًا باهظة وتعمل بأقلّ قدر من الرقابة. بالاستناد إلى أفضل الممارسات الدولية، يمكن لبنانَ تطبيقُ معايير توظيف أخلاقية، وضمان الشفافية في العقود، ووضع حدّ أقصى لرسوم التوظيف التي يدفعها العمّال. فمن شأن هذه الخطوات أن تضمن التزام لبنان "مبادرة التوظيف العادل" لمنظّمة العمل الدولية.
ثالثًا، يمكن اتّفاقاتِ العمل الثنائية أن تلعبَ دورًا محوريًا في إدارة تدفّقات اليد العاملة وحماية حقوق العمّال. يمكن استخلاص دروس قيّمة من اتّفاقات التوظيف الثنائية التي أبرمتها إسبانيا مع المغرب وكولومبيا ومن نموذج "هيئة تنظيم سوق العمل" في البحرين، الذي استحدثَ "التصريح المَرِن"، فسَمَحَ لفئات معيّنة من العمّال بالعمل من دون كفالة مباشرة. وبينما تُظهِر تجربة البحرين ضرورة أن تكون الإصلاحات مُتاحة وميسورة الكلفة، فإنَّ مبدأ فصل الإقامة عن سيطرة صاحب العمل يبقى أساسيًا لإدارة الهجرة وفقًا لنهجٍ قائمٍ على الحقوق.
ختامًا، ينبغي أن تُركِّز الإصلاحات على توفير ظروف العمل اللائقة وحماية الأجور. في هذا الإطار، تُمثِّل إصلاحات قانون العمل في قطر لعام 2020 -التي فرضت حدًّا أدنى غير تمييزي للأجور مع إلغاء "شهادة عدم الممانعة"- نقطة تحوُّل ملحوظة في المنطقة العربية. فإذا طبَّقَ لبنان آلياتٍ مماثلة، سيستفيد جميع العمّال، الأجانب واللبنانيين، من الحماية الأساسية وهياكل الأجور العادلة.
نحو نظامٍ أكثر إنصافًا
يمكن أن يتّخذ لبنان سلسلة من الخطوات الملموسة لمواءمة سياساته المتعلّقة بالعمالة الأجنبية مع مبدأ الكفاءة الاقتصادية ومعايير حقوق الإنسان الدولية:
- الانتقال من الكفالة إلى نظام قائم على العقود
ربط تصاريح الإقامة بالوظيفة وليس بصاحب العمل، ما يسمح للعمّال بتغيير وظائفهم/نّ دون خسارة صفتهم/نّ القانونية. ومن شأن ذلك أن يُقلِّل الاستغلال ويُعزِّز علاقة العمل السليمة بين صاحب العمل والموظّف. - إنشاء مرصد وطني لسوق العمل
جمع وتحليل البيانات المتعلّقة باتّجاهات العمالة، ومستويات الأجور، والطلب على اليد العاملة الأجنبية، واستخدام هذه البيانات لوضع سياسات عامّة مناسبة وتحديد الحصص بشكلٍ سنوي على النحو الملائم. - تعزيز قدرات المؤسّسات وتنفيذ القوانين
تمكين المفتّشين، وتوسيع نطاق أنظمة التسجيل الرقمية، وتفعيل آليات الشكاوى من خلال منصّة شفّافة متاحة لجميع العمّال. - تنمية المهارات وتشجيع توظيف اليد العاملة اللبنانية
الاستثمار في برامج تدريب مهني وتقني فعّالة لتزويد العمّال اللبنانيين بالمهارات التي تُهيمن عليها حاليًا اليد العاملة الأجنبية، ما يُقلِّل من الاعتماد على اليد العاملة الأجنبية، فيما تبقى القطاعات الاقتصادية قادرةً على الوصول إلى الخبرات المتخصّصة التي تحتاجها. - التفاوض على اتّفاقات العمل الثنائية والإقليمية
تنظيم قنوات هجرة اليد العاملة مع البلدان المنشأ لضمان تطبيق معايير أخلاقية في أثناء التوظيف، وتوفير الحماية، والتنسيق بشأن الضمان الاجتماعي. - توسيع نطاق أُطُر الحماية القانونية لتشمل العاملين/ات في الخدمة المنزلية والعاملين/ات في القطاع غير الرسمي
تطبيق قانون العمل وأنظمة الحماية الاجتماعية على العاملين/ات في الخدمة المنزلية والعاملين/ات في القطاع الزراعي لضمان المعاملة العادلة، وتأمين التغطية بالضمان الاجتماعي، والوصول إلى العدالة.
ليست هذه التدابير ممكنة فحسب، بل هي ضرورية أيضًا لتحسين القدرة التنافسية في لبنان وضمان الامتثال للالتزامات الدولية، بما في ذلك اتّفاقيات منظّمة العمل الدولية بشأن العمل اللائق والهجرة.
ما أهمّية ذلك؟
يُعتبَر إصلاح سوق اليد العاملة الأجنبية ركيزةً أساسية لتحقيق التعافي الاقتصادي، وتعزيز التماسك الاجتماعي، واستعادة مصداقية لبنان على المستوى الدولي. ومن شأن النظام العادل والمنهجي أن يُسهِم في الحدّ من العمل غير الرسمي، وأن يُحسِّن دقّة البيانات، ويجذب أصحاب العمل المسؤولين، كذلك فإنَّه يُعزِّز فعّالية سياسات التوظيف الوطنية، بما يضمن عدم تهميش المواطنين اللبنانيين مع الحفاظ على حقوق العمّال الأجانب.
إنَّ تنظيم العمالة الأجنبية وضبطها يُسهِمان في نموّ الناتج المحلّي الإجمالي، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز الشفافية المالية. وتُشير تقديرات المركز اللبناني للدراسات إلى أنَّ تحسين حوكمة العمل وحماية العمّال من شأنه أن يزيد النموّ السنوي للناتج المحلّي الإجمالي بنسبةٍ تَصِل إلى 2%، وذلك من خلال تعزيز التوظيف الرسمي والابتكار. كذلك، فإنَّ الحدّ من العمل غير النظامي يُحسِّن تحصيل الضرائب واشتراكات الضمان الاجتماعي، ما يُتيح حيّزًا ماليًا للبرامج الاجتماعية.
وبعيدًا عن الاعتبارات الاقتصادية، يُعَدّ إصلاح نظام العمالة الأجنبية مسألةً تتعلّق بكرامة الإنسان والعدالة. فالعمّال والعاملات المُهاجِرون/ات كانوا وما زالوا يُشكِّلون جزءًا أساسيًا من الأُسَر والمستشفيات وورش البناء في لبنان لعقود عديدة. ولا شكَّ في أنَّ الاعتراف بمساهمتهم/نَّ من خلال المعاملة العادلة والتنظيم الشفّاف واجبٌ أخلاقي، فضلًا عن كونه استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل البلد.
المراجع
- منظّمة العمل الدولية. هجرة اليد العاملة في الدول العربية Labour Migration in the Arab States، بيروت، 2019.
- المنظّمة الدولية للهجرة. تقييم احتياجات وهشاشة المهاجرين في لبنان Needs of Valnerability Assessment of Migrants in Lebanon، 2021.
- المركز اللبناني للدراسات. سوق اليد العاملة الأجنبية في لبنان وسط الأزمات المتفاقمةForeign Labor Market in Lebanon amid Compounded Crises، 2022.
- البنك الدولي. مرصد الاقتصاد اللبناني، 2019.
- منظّمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. آفاق الهجرة الدولية International Migration Outlook، 2009.
- منظّمة حقوق المهاجرين. نظرة على التصريح المَرِن بعد عامَيْن على التطبيق، 2020.
- منظّمة العمل الدولية. جائحة كوفيد-19: حماية أجور العمّال المهاجرين في الدول العربيةCOVID-19 Pandemic: Wage Protection of Migrant Workers in the Arab States، 2021.
- الحكومة القَطَرية، المستجدّات في إصلاحات سوق العمل Labour Reform Updates، 2021.
- اتّحاد غرف التجارة والصناعة الإيطالية ووزارة العمل الإيطالية. تقارير مسح "إكسلسيور"Excelsior Survey Reports، 2020-2022.
- جهاز التوظيف الحكومي العام (إسبانيا). دليل المهن ذات التغطية الصعبةCatalogue of Difficult-to-Cover Occupations، 2021.
لينا س. مدّاحباحثة اقتصادية رئيسة في المركز اللبناني للدراسات. تشمل مجالات عملها التنمية الاقتصادية المحلية والاقتصاد المناطقي، والجغرافيا الاقتصادية، والمواقع الصناعية، وديناميكيات الشركات، والصناعات الثقافية والإبداعية. في رصيد مدّاح شهادة دكتوراه في الاقتصاد من جامعة روفيرا إي فيرجيلي في إسبانيا، وهي حاليًا أستاذة مساعدة في قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية.