-
حوكمةيوليو 15، 2026
هل يستطيع نظام الحماية الاجتماعية في لبنان الصمود في وجه صدمات الحرب؟
- فاتشه تشلدريان
المصدر (الصورة على الشمال) :جوزيف عيد عبر أ ف بانجـز مرصد الإصلاح هذا بدعـم مـن سفارة النرويج في بيروت. إنّ الآراء الـواردة فيه لا تعكـس بالضـرورة وجهـة نظـر الجهـة المانحـة.
ما المسألة المطروحة؟
منذ عام 2023، خلّفت الحرب بين لبنان وإسرائيل آثارًا جسيمة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأُسَر في مختلف أنحاء البلاد. فقد أُجبر أكثر من مليون شخص على النزوح مع تعرّض العديد من المناطق للتهديد، وتدمير المنازل والقرى، وما رافق ذلك من تعطّل واسع للنشاط الاقتصادي، الأمر الذي زاد من الضغوط المالية على الأُسَر.
من الناحية الاقتصادية، واجه المواطنون تراجعًا في الدخل، وارتفاعًا في الأسعار، وتكاليف إضافية مرتبطة بالنزوح وإعادة الإعمار، ما دفع أعدادًا متزايدة منهم إلى خطّ الفقر أو إلى ما دونه. ويُظهر مسح أجراه المركز اللبناني للدراسات في كانون الثاني/ يناير 2026، شمل أكثر من 2,400 مواطن ومواطنة، وذلك قبل أسابيع قليلة من التصعيد العسكري في آذار/ مارس، أنّ ثلث المستجيبين أفادوا بانخفاض في دخلهم، فيما أشار 30٪ إلى تراجع في نشاطهم التجاري[1]. في المقابل، لم تتمكن المؤسّسات الحكومية من الاستجابة بسرعة وفعالية، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى القيود المالية التي تواجهها الدولة.
وأمام تصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، اضطُرت الأُسَر إلى اعتماد استراتيجيات تكيّف متعددة. فقد أفاد أكثر من ثلثي المستجيبين بأنهم خفّضوا إنفاقهم على الغذاء والملابس، والمرافق الأساسية، والأنشطة الاجتماعية. كذلك خفّضت أو أجّلت 32٪ من الأُسَر إنفاقها على الرعاية الصحية (بما في ذلك التأمين الصحي، وزيارات الأطباء، والأدوية). إضافة إلى ذلك، اضطُر 15٪ من المستجيبين إلى الاقتراض لتلبية احتياجاتهم الأساسية. وتشير هذه المعطيات إلى أنّ الأُسَر، ولا سيما في المناطق المتضررة من النزاع، تواجه الصدمات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن الحرب من خلال تقليص استهلاك الغذاء، وتأجيل الرعاية الصحية، واستنزاف مدخراتها وأصولها، وتحمّل مزيد من الديون.
وفي مثل هذه الأزمات، تكتسب السياسات الاجتماعية الشاملة والمنصفة أهمية محورية. فبرامج وأنظمة الحماية الاجتماعية، بما في ذلك المساعدات النقدية، ودعم الرعاية الصحية، وإعانات البطالة، ومعاشات التقاعد، يمكن أن تسهم في التخفيف من آثار هذه الصدمات، وتمنع الأُسَر من الانزلاق إلى مستويات أشدّ من الهشاشة.
إلا أنّ التغطية المحدودة لبرامج الحماية الاجتماعية الرسمية في لبنان حدّت من قدرتها على التعامل مع الصدمات الناجمة عن الحرب. فمن بين المستجيبين الذين تلقوا دعمًا للتخفيف من آثار الحرب، أفاد 52٪ بأنهم حصلوا على المساعدة من الأحزاب السياسية، فيما لم تتجاوز نسبة الذين تلقوا الدعم من مؤسّسات الدولة 13.9٪.
وتختلف هذه الأنماط أيضًا بين المناطق. ففي المحافظات الأكثر تضررًا من الحرب، مثل محافظات الجنوب والنبطية والبقاع، أفاد المستجيبون بأنّ الدعم يأتي في الغالب من الأحزاب السياسية والشبكات المحلية أكثر ممّا يأتي من مؤسّسات الدولة. ويكشف ذلك عن فجوة في قدرة برامج الحماية الاجتماعية الرسمية على الوصول إلى المناطق الأكثر تضررًا من الحرب.
وتقوم الحماية الاجتماعية في لبنان على مزيج من البرامج الوطنية، والترتيبات المؤسّسية المجزأة، والتدخّلات المدعومة خارجيًا. غير أنّ الآليات القائمة لم تتطور بعد إلى إطار موحّد قادر على الاستجابة بصورة متسقة للصدمات واسعة النطاق.
الحماية الاجتماعية في زمن الحرب: البرامج والأرقام
يشكّل برنامج "أمان" الأداة الرئيسية لتقديم المساعدات النقدية خلال النزاع الجاري، وهو آلية موحّدة للأمان الاجتماعي دمجت كلًا من البرنامج الوطني لدعم الأُسَر الأكثر فقرًا (NPTP) وبرنامج شبكة الأمان الاجتماعي الطارئة (ESSN)، وتشرف عليه وزارة الشؤون الاجتماعية.
يمثل هذا البرنامج تحولًا مهمًا نحو إرساء شبكة أمان اجتماعي مُمَأسَسة أكثر من سابقاتها. فعلى خلاف برامج المساعدات الظرفية، يعتمد برنامج "أمان" على السجل الاجتماعي الوطني "دعم" (DAEM)، وعلى مجموعة من معايير الأهلية. ويقدّم البرنامج مساعدات نقدية بدلًا من المساعدات العينية، بما يتيح للأُسَر مرونة أكبر في تلبية احتياجاتها.
أُطلِق برنامج "أمان" عام 2022 بتمويل من البنك الدولي، وهو يقدم تحويلات نقدية شهرية بقيمة 25 دولارًا أميركيًا لكل أسرة، إضافة إلى 20 دولارًا أميركيًا عن كل فرد من أفراد الأسرة، بحد أقصى يصل إلى ستة أفراد. وعلى الرغم من اختلاف التقديرات، تشير استراتيجية وزارة الشؤون الاجتماعية 2026-2030 إلى أنّ البرنامج يقدم دعمًا ماليًا لـ166 ألف أسرة، أي ما يقارب 800 ألف شخص، من خلال تحويلات شهرية تبلغ قيمتها 22 مليون دولار أميركي[2]، ما يجعله أكبر برامج المساعدات الاجتماعية في لبنان.
ومن برامج التحويلات النقدية المباشرة أيضًا برنامج البدل النقدي للأشخاص ذوي الإعاقة (NDA)، وهو أول برنامج في لبنان يوفّر دعمًا ماليًا مباشرًا للأشخاص ذوي الإعاقة. ويغطي البرنامج حاليًا الأطفال والشباب من عمر الولادة حتى 31 عامًا، وكبار السن الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا وما فوق. ويتلقى كل واحد من المستفيدين البالغ عددهم 33,500 تحويلًا نقديًا شهريًا بقيمة 40 دولارًا أميركيًا[3]. ومن الجدير ذكره، أنّ البرنامج انتقل من الاعتماد الكامل على تمويل الجهات المانحة إلى تمويل جزئي من الدولة. فقد خصّصت الحكومة اللبنانية أول اعتماد مالي مباشر له في موازنة عام 2024 بقيمة 5 ملايين دولار أميركي، قبل أن ترفع هذا المبلغ إلى 10 ملايين دولار أميركي في عام 2025[4].
وإلى جانب برامج المساعدات الاجتماعية، سعت الإصلاحات الأخيرة أيضًا إلى تعزيز آليات التأمين الاجتماعي على المدى الطويل. ففي كانون الأول/ ديسمبر 2023، أقرّ لبنان القانون رقم 319/2023 لإصلاح نظام التقاعد، مستحدثًا نظامًا تقاعديًا شاملًا للعاملين في القطاع الخاص من خلال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ليحلّ محل نظام تعويض نهاية الخدمة الذي تراجعت قيمته بصورة كبيرة نتيجة انهيار العملة.
ويؤمّن النظام الجديد معاشات تقاعدية مدى الحياة مرتبطة بمعدلات التضخم، كذلك يشمل منافع الشيخوخة، والعجز، وتعويضات المستفيدين بعد الوفاة[5]. إلا أنّ هذا الإصلاح لا يزال في مرحلة التنفيذ، إذ كانت عملية رقمنة نحو 850 ألف سجل لا تزال جارية حتى أواخر عام 2025[6].
عمليًا، لم يتمكن العاملون في القطاع الخاص الذين نزحوا أو تضرروا من الحرب من الاستفادة من أيّ دخل تقاعدي خلال فترة الحرب. كذلك لا تزال المسائل المتعلقة بالاستدامة طويلة الأجل وتغطية ترتيبات التقاعد في كلٍّ من القطاعَيْن، العام والخاص، من دون معالجة.
إضافة إلى ذلك، ما من نظام رسمي للتأمين ضد البطالة في لبنان، فيما لا يزال نحو 65٪ من العاملين يفتقرون إلى أيّ شكل من أشكال الحماية الاجتماعية. وقد كشفت الحرب هذه الثغرات بصورة أكبر، إذ أسهمت في فقدان ما يُقدَّر بـ166 ألف وظيفة وخسارة 168 مليون دولار أميركي من الأجور، فيما بقي العاملون في القطاع غير النظامي، والنساء، والشباب، والعمال المهاجرون، مستبعدين إلى حدّ كبير من آليات الدعم الرسمية[7].
هل تكفي جهود الحماية الاجتماعية الحالية؟
على الرغم من أنّ الحكومة أحرزت تقدمًا تدريجيًا في الاستجابة للأزمة، لا يزال حجم هذه الجهود بعيدًا جدًا عن تلبية الاحتياجات الفعلية، بسبب القيود البنيوية الحادة التي تواجهها. فوزارة الشؤون الاجتماعية، شأنها شأن سائر الوزارات، لم تتعافَ من آثار الانهيار المالي الذي شهده لبنان عام 2019. وتبلغ موازنة الوزارة لعام 2026 نحو 181 مليون دولار أميركي، أي ما يقارب 3٪ من إجمالي الموازنة العامة[8]. تمّ تخصيص 53 مليون دولار من إجمالي ميزانية وزارة الشؤون الاجتماعية لبرنامج "أمان"، وهي المرة الأولى التي تموّل فيها الحكومة هذا البرنامج من خلال الموازنة الوطنية؛ ومع ذلك، يقدّم برنامج "أمان" وحده تحويلات نقدية شهرية بقيمة 22 مليون دولار أميركي، وهو مبلغ يتجاوز ما تستطيع الدولة اللبنانية، في ظل موازنتها الحالية، تمويله محليًا بصورة واقعية، ما يجعل البرنامج يعتمد بصورة شبه كاملة على تمويل البنك الدولي. ويثير ذلك تساؤلات جوهرية بشأن استدامته على المدى الطويل.
وتبرز مسألة كفاية قيمة التحويلات النقدية الشهرية، سواء في إطار برنامج "أمان" أو برنامج البدل النقدي للأشخاص ذوي الإعاقة. ففي إطار برنامج "أمان"، تحصل الأسرة المؤلفة من خمسة أفراد على 25 دولارًا أميركيًا كمبلغ أساسي، إضافة إلى 20 دولارًا أميركيًا عن كل فرد، أي ما مجموعه 125 دولارًا أميركيًا شهريًا. ويمثّل هذا المبلغ أقل من ربع سلّة الحد الأدنى للإنفاق الشهري المقدّرة بنحو 509 دولارات أميركية لأسرة من خمسة أفراد[9]. وعلى الرغم من أنّ هذه البرامج توفر دعمًا ماليًا مهمًا، فإنها لا تكفي إطلاقًا لتعويض الدخل المفقود أو تغطية الكلفة الكاملة للنزوح.
تشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أنّ نظام الحماية الاجتماعية في لبنان لا يزال غير مُهيّأ لاستيعاب الصدمات واسعة النطاق الناجمة عن الحروب، وذلك بسبب محدودية التغطية، والاعتماد الكبير على تمويل الجهات المانحة، وغياب آليات حماية أساسية، مثل التأمين ضد البطالة.
لماذا يُعَدّ ذلك مهمًا؟
تكشف الأدلة، في أبسط مستوياتها، أنّ المواطنين اللبنانيين يعتمدون على استراتيجيات تكيّف غير رسمية لحماية أنفسهم من الأزمات. وإذا أخذنا في الاعتبار أنّ أكثر من نصف الذين تلقوا دعمًا خلال الحرب حصلوا عليه من الأحزاب السياسية، لا من مؤسّسات الدولة، فإن ذلك يكشف أنّ العقد الاجتماعي لا يزال قائمًا على شبكات الرعاية والمحسوبية السياسية، بدلًا من أن يرتكز على المؤسّسات العامة.
كذلك أبرزت الحرب في لبنان الكلفة الاجتماعية الباهظة لتأخُّر الإصلاح. فأنظمة الحماية الاجتماعية التي لا تبدأ ببناء آلياتها إلا بعد وقوع الأزمة، ستكون دائمًا أبطأ من المطلوب، وأضيق نطاقًا، وأكثر اعتمادًا على التمويل الخارجي.
وقد أظهرت برامج الحماية الاجتماعية المختلفة التي تنفذها وزارة الشؤون الاجتماعية، إلى جانب قانون التقاعد وغيره من الإصلاحات، أنّ الاستثمار في هذا المجال يحقق نتائج ملموسة. غير أنّ هذه الأُسُس لا يمكن أن تتحوّل إلى نظام متكامل وفعّال وقادر على الاستجابة، إلا إذا استندت إلى ركائز متينة، تشمل: 1) سجلًا اجتماعيًا وطنيًا موحدًا يتيح تحديد الفئات الأكثر هشاشة قبل وقوع الصدمات؛ 2) آلية تمويل محلية مستدامة لا يتوقف تفعيلها على تعهدات الجهات المانحة؛ 3) بروتوكولات دائمة للإنفاق في حالات الطوارئ تتيح التوسع السريع في تقديم الدعم خلال الأزمات، من دون الاعتماد على تمويل ظرفي أو انتظار الموافقات على الاعتمادات المالية التي قد تتأخر.
المراجع
1. المركز اللبناني للدراسات. (لم يُنشَر بعد). تصوّرات المواطنين وتجاربهم المعيشية في لبنان قُبيل تصعيد عام 2026.
2. وزارة الشؤون الاجتماعية. (2025). استراتيجية الحماية الاجتماعية في لبنان 2026-2030. حكومة لبنان. https://www.socialaffairs.gov.lb/media/140nkrho/mosa_strategy_eng.pdf
منظمة العمل الدولية. (تشرين الأول/ أكتوبر 2024). منظمة العمل الدولية وشركاؤها يتخذون تدابير للاستجابة للصدمات دعمًا للأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان. https://www.ilo.org/resource/news/ilo-and-partners-take-shock-response-measures-support-persons-disabilities
4. منظمة العمل الدولية. (تشرين الأول/ أكتوبر 2025). لبنان يوسّع نطاق التمويل المحلي لبرنامج البدل النقدي للأشخاص ذوي الإعاقة. https://www.ilo.org/resource/article/lebanon-scales-domestic-financing-national-disability-allowance
5. منظمة العمل الدولية. (شباط/ فبراير 2024). لبنان يعتمد إصلاحات تاريخية في مجال الضمان الاجتماعي ونظامًا تقاعديًا جديدًا للعاملين في القطاع الخاص. https://www.ilo.org/resource/news/lebanon-adopts-landmark-social-security-reforms-and-new-pension-system
6. منظمة العمل الدولية. (تشرين الأول/ أكتوبر 2025). رقمنة سجلات الضمان الاجتماعي في لبنان تمثّل خطوة رئيسية نحو تنفيذ نظام التقاعد الجديد. https://www.ilo.org/resource/news/digitization-lebanon%E2%80%99s-social-security-records-marks-major-step-toward
7. معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي. (تشرين الثاني/ نوفمبر 2025). مراجعة الإنفاق الحكومي على الحماية الاجتماعية في لبنان (2017-2024). https://institutdesfinances.gov.lb/sites/default/files/2025-12/Report-Review%20of%20Government%20Spending%20on%20Social%20Protection-Nov25-EN.pdf
8. معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي. (نيسان/ أبريل 2026). موازنة المواطن لعام 2026. https://www.institutdesfinances.gov.lb/sites/default/files/2026-04/Citizen%20Budget%202026-Apr26-En-final_0.pdf
9. خطة لبنان للاستجابة للأزمة 2026. (شباط/ فبراير 2026). فصل المساعدات النقدية المتعددة الأغراض والمساعدات النقدية والقسائم. https://reliefweb.int/report/lebanon/lebanon-response-plan-2026-multipurpose-cash-and-cash-voucher-assistance
فاتشه تشلدريانيشغل فاتشه تشلدريان منصب باحث في المركز اللبناني للدراسات، وهو خرّيج الجامعة اللبنانية الأميركية حيث نالَ درجة الماجستير في الاقتصاد التطبيقي. خلال دراساته، تولّى قيادة فريق البحث في قسم الاقتصاد في الجامعة. وفي رصيده العديد من الأوراق البحثية الأكاديمية المُقدَّمة للنشر في مجالات اقتصاد العمل، والاقتصاد الدولي، والأسواق المالية. إضافةً إلى ذلك، قَدَّمَ فاتشي دعمًا استشاريًا للعديد من المنظّمات الدولية، ومن بينها منظّمة العمل الدولية، حيث أعدّ أُطُر عمل لدمج قضايا العمالة والتوظيف ضمن السياسات التجارية والاستثمارية في لبنان.