• شؤون اجتماعية
    مايو 05، 2026

    لبنان عشية تصعيد آذار/مارس 2026: التصوّرات، وأوجه الهشاشة، والأولويات

    • ديما سمَيْرة

    انجـز هذا المقال بدعـم مـن سفارة النرويج في بيروت. إنّ الآراء الـواردة فيه لا تعكـس بالضـرورة وجهـة نظـر الجهـة المانحـة.


    مقدّمة

    مع تجدُّد العدوان الإسرائيلي على لبنان في شهرَيْ آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026، دخلت البلاد مرةً أخرى في أزمة حادّة، حيث سقط 2,586 ضحيّة العدوان وأُصيب 8,020 آخرين (بين 2 آذار/مارس و30 نيسان/أبريل)، إلى جانب دمار واسع النطاق ونزوح قسري يُقدَّر بنحو 1.2 مليون شخص. وإلى جانب أثره المباشر، يطرح هذا التطوّر سؤالًا أساسيًا: ما هي الظروف وأوجه الهشاشة التي كان يعيش الناس في ظلّها قبل هذا التصعيد الأخير، وما أثر هذه العوامل على الاستجابات اليوم؟

     

    بين كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2026، أي قبل أسابيع قليلة من التصعيد، أجرى المركز اللبناني للدراسات (LCPS) مسحًا على مستوى البلاد وسلسلة من مجموعات النقاش المركّزة لرصد تصوّرات المواطنين وتجاربهم وأولوياتهم في ظلّ الانهيار الاقتصادي المستمر والنزاع الدائر منذ سنوات. يستند هذا المقال إلى نتائج هذا البحث بوصفها لمحة أولية عن الوضع القائم، تمهيدًا لإعداد تقرير أكثر تفصيلًا سيصدر لاحقًا.

     

    تشير النتائج إلى مجتمعٍ يرزح أساسًا تحت ضغوط متواصلة. فقد عانى الناس من ضيق اقتصادي على نطاق واسع، وأصبحت حالة انعدام الأمن ظاهرة يومية، فيما ظلّ مستوى الثقة بالمؤسّسات العامة محدودًا. وفي الوقت نفسه، تكشف النتائج عن تباينات مهمّة في أثر هذه الضغوط بين المناطق والفئات المختلفة، وكذلك في أساليب تكيّف الناس وتوقعاتهم من الدولة.

     

    مع دخول لبنان مرحلة جديدة تتسم بعدوان متجدّد واستمرار حالة عدم اليقين، بما في ذلك وقف إطلاق نار هشّ قائم منذ نيسان/أبريل 2026، تكتسب هذه المعلومات التي جُمِعَت قبل التصعيد أهميةً خاصة لفهم كيفية تداخل التطورات الراهنة مع أوجه الهشاشة القائمة، وما تكشفه عن التحديات التي تواجه جهود الاستجابة والتعافي.

     

    أساسٌ هشّ

    دخل لبنان مرحلة التصعيد في آذار/مارس 2026 وهو يعاني من هشاشة عميقة وممتدة. فحتى قبل جولة العنف الأخيرة، كانت البلاد متأثرة بأزمات متداخلة، من بينها الانهيار الاقتصادي، وجائحة كوفيد-19، وتداعيات انفجار مرفأ بيروت، وتدهور الخدمات العامة، والشلل السياسي، والنزاعات المتكرّرة، بما في ذلك على طول حدوده الجنوبية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. ومع مرور الوقت، أدّت هذه الأزمات إلى تآكل قدرة الدولة، وتراجع الثقة العامة، وإضعاف قدرة الأسر على الصمود.

     

    ولم يوفّر وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 سوى فرصة محدودة وهشّة لتحقيق الاستقرار. فعلى الرغم من أنّ التطورات السياسية، بما في ذلك انتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام، رفعت سقف التوقعات بشأن التعافي، بقيت هذه التوقعات مقيّدة باستمرار حالة انعدام الأمن، والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، وتأخّر الإصلاحات، والضعف الاقتصادي الشديد، واستمرار الاستقطاب السياسي. كما واجهت المؤسّسات العامة تحدّيات في توفير الخدمات الأساسية، في حين بقيت جهود التعافي وإعادة الإعمار محدودة بفعل الانقسامات السياسية الداخلية والاشتراطات الخارجية.

     

    وبحلول أوائل العام 2026، أي في فترة إجراء هذا البحث، كانت هذه الضغوط قد ترسّخت بالفعل. فقد شكّلت الصعوبات الاقتصادية، وانعدام الأمن، وضعف الثقة بمؤسّسات الدولة، عوامل أساسية أثّرت في حياة الناس وحدّدت توقعاتهم للمستقبل. ومن هذا المنطلق، لم يمثّل تصعيد آذار/مارس 2026 قطيعةً مع الواقع القائم، بل شكّل تفاقمًا لواقعٍ كان في الأساس مثقلًا بالضغوط.

     

    يُعدّ خط الأساس هذا ضروريًا لفهم المرحلة الراهنة. إذ تتكشّف آثار العنف المتجدّد في سياق ترسّخت فيه أوجه الهشاشة بالفعل، وتراجعت قدرة كلٍّ من الأسر والمؤسّسات على امتصاص صدمات إضافية بشكل كبير.

     

    العيش تحت ضغوط متواصلة: الصعوبات الاقتصادية وانعدام الأمن

    بحلول أوائل العام 2026، كان الكثير من الأسر اللبنانية يعيش بالفعل تحت وطأة ضغط اقتصادي مستمر. ولم يؤدِّ التصعيد الأخير إلى نشوء أزمة جديدة بقدر ما عمّق الأزمة القائمة. فبالنسبة لمعظم الناس، لم تشكّل الحرب صدمة منفصلة، بل فصل جديد ضمن مسار طويل من التدهور بدأ مع الانهيار المالي في العام 2019، حيث أدّى ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الدخل، وتباطؤ النشاط الاقتصادي إلى إعادة تشكيل الحياة اليومية في مختلف أنحاء البلاد.

     

    تعكس نتائج المسح حجم هذا الضغط. فقد أشار المستجيبون في الغالب إلى ارتفاع كلفة المعيشة بوصفه الأثر الأكثر أهمية على أسرهم، تلاه انخفاض الدخل وتراجع النشاط الاقتصادي. وعلى الرغم من أنّ هذه الضغوط كانت واسعة الانتشار عبر مختلف المناطق، فإن حدّتها تباينت. ففي المناطق المتأثرة مباشرة بالحرب والنزوح، واجهت الأسر أعباءً إضافية، بما في ذلك تكاليف النزوح، والأضرار التي لحقت بالمساكن، وارتفاع الإيجارات. أما في مناطق أخرى، فارتبطت الصعوبات الاقتصادية بشكل أوثق بتراجع القدرة الشرائية وتقلّص الفرص الاقتصادية. وتؤكد المعطيات النوعية هذه الاتجاهات. إذ قال أحد المشاركين من البقاع: "حركة الشراء معدومة، وما من نشاط جديد (...) ما من مؤشرات مشجّعة على الإطلاق".

     

    استجابةً هذا الواقع، اعتمدت الأسر بشكل متزايد على استراتيجيات تكيّف قائمة على التقشّف، مثل خفض الإنفاق الأساسي، وتقليص الأنشطة الاجتماعية والترفيهية، وفي بعض الحالات اللجوء إلى المدخرات أو التحويلات المالية أو الاستدانة لتلبية الاحتياجات الأساسية. وكما أشار أحد المشاركين من بعلبك–الهرمل: "بعنا الذهب، وخسرنا مدّخراتنا، ونقلنا أولادنا إلى المدارس الرسمية، ولا نشتري سوى الضروريات (...) لقد وقعنا في الدَيْن".

     

    صحيح أنّ هذه التدابير أتاحت للأسر التكيّف على المدى القصير، غير أنّها تشير أيضًا إلى تآكل تدريجي في الموارد وتراجع القدرة على تحمّل صدمات إضافية. وبالنسبة للكثير من الأسر، لم تعد الأزمة مسألة تكيّف، بل باتت مسألة بقاء.

     

    وتتفاقم هذه الضغوط الاقتصادية بفعل شعور واسع بانعدام الأمن، حيث يعزّز كلٌّ منهما الآخر بطرق تؤثر في كيفية تعايش الأسر مع الأزمة واستجابتها لها. وحتى قبل التصعيد المتجدّد في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026، لم ينجح وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 في إعادة الشعور بالاستقرار. فاستمرار الاحتلال والأنشطة العسكرية، بما في ذلك الضربات المحدّدة والانتهاكات المتكررة للأجواء اللبنانية، إلى جانب خطر تجدّد التصعيد، أوحى للكثير من المواطنين بأنّ العودة إلى الوضع الطبيعي ما زالت بعيدة المنال.

     

    وينعكس ذلك في تصوّرات الأمان. فبحلول كانون الثاني/يناير 2026، أفاد نحو نصف المستجيبين بأنهم يشعرون بأمان أقل منذ اندلاع حرب تشرين الأول/أكتوبر 2023. ومن المهم الإشارة إلى أنّ انعدام الأمان لم يقتصر على المناطق المعرّضة مباشرة للهجمات العسكرية. ففي مختلف أنحاء البلاد، ساهمت أصوات الطائرات أو الطائرات المسيّرة المستمرة، وعدم القدرة على التنبؤ بتصعيد مفاجئ، والتقارير عن ضربات قريبة، في إرساء مناخ عام من الخوف وعدم اليقين. وكما أوضح أحد المشاركين من النبطية: "لا تعرف أبدًا متى سيضربون. قد تكون تسير في الشارع ويُستهدف شخص خلفك. كيف يمكن أن تشعر بالأمان إذًا؟".

     

    في الوقت نفسه، اختلفت تجربة انعدام الأمن بين المناطق. فقد برز انعدام الأمن الاقتصادي بوصفه الهاجس الأكثر شيوعًا على مستوى البلاد. غير أنّ المخاوف في المناطق المتأثرة بالنزاع، مثل الجنوب والنبطية وبعلبك–الهرمل، تمحورت بشكل مباشر حول الهجمات العسكرية الخارجية والتعرّض للقصف.

     

    وعلى الرغم من تعبير السكان في مناطق أخرى عن هذه المخاوف أيضًا، فإن انعدام الأمن فيها ارتبط غالبًا بالتوترات الداخلية، والسرقة والأنشطة الإجرامية، التي تُعزى جزئيًا إلى ضعف إنفاذ القانون. وقد زاد انتشار السلاح غير المنظّم من حدّة الشعور بالمخاطر، معزّزًا الإحساس بعدم القدرة على الاعتماد على المؤسّسات الرسمية لتوفير الحماية. وكما أشار أحد المشاركين من صور: "إذا حصل خلاف بيني وبينك في الشارع، لم أعد ألجأ إلى القانون لحلّه. السلاح هو الذي يحسمه".

     

    في مواجهة هذه الضغوط المتداخلة، عدّل الأفراد والأسر سلوكهم للحدّ من التعرّض للمخاطر، من خلال تقليص الحركة، وتجنّب مناطق أو وسائل نقل معيّنة، والاعتماد بشكل أكبر على الشبكات الشخصية من أجل توفير الأمان والدعم. وتعكس هذه الاستراتيجيات نمطًا عامًا يتمثل في تشكيل آليات حماية فردية وغير رسمية بدلًا من الاعتماد على المؤسّسات. وقد وصفت النساء والفتيات، على وجه الخصوص، كيف أثّر انعدام الأمن على إحساسهنّ بالأمان وحركتهنّ وخياراتهنّ الحياتية، وكانت هذه التأثيرات أكثر حدّة في سياقات النزوح.

     

    تشير هذه الديناميات مجتمعةً إلى أزمة عميقة ومتعدّدة الأبعاد، حيث لا تشكّل الضغوط الاقتصادية وانعدام الأمن تحدّيَيْن منفصلَيْن، بل حالتَيْن متداخلتَيْن يعزّز كل منهما الآخر. إذ تجد الأسر نفسها في سياق تتزايد فيه هشاشة سُبُل العيش والأمان، بينما ينتقل عبء إدارة الأزمة بشكل متزايد من المؤسّسات إلى الأفراد.

     

    الثقة والحوكمة وحدود استجابة الدولة

    إلى جانب الضغوط الاقتصادية وانعدام الأمن، تميّزت الأزمة أيضًا بانخفاض مستمر في مستويات الثقة بالمؤسّسات الرسمية وبقدرتها على الاستجابة بفعالية. وبحلول أوائل العام 2026، كان الاستياء من أداء الحكومة واسع النطاق، إذ عبّر ما يقارب ثلثَيْ المستجيبين عن آراء سلبية. وقد تشكّلت هذه التصوّرات إلى حدّ كبير بفعل واقع الحياة اليومية، بما في ذلك إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، وبطء وتيرة جهود التعافي، وغياب تحسُّن ملموس في ظروف المعيشة.

     

    ويعكس ذلك تآكلًا أعمق وأطول أمدًا في العلاقة بين المواطنين والدولة. ففي مختلف مجموعات النقاش المركّزة، وُصِفَت المؤسّسات العامة مرارًا بأنها غائبة أو غير فعّالة، مع اعتبار السياسات العامة منفصلة عن واقع حياة الناس. وفي المناطق المتأثرة مباشرة بالنزاع، كان الإحباط أكثر حدّة، ولا سيما في ما يتعلّق بتأخّر إعادة الإعمار، ومحدودية الدعم المُقدَّم للنازحين، وعدم انخراط الدولة بشكل فاعل وواضح في معالجة الضغوط الاقتصادية.

     

    في الوقت نفسه، فإنّ الثقة بالجهات الرسمية متباينة للغاية. فقد حافظ الجيش اللبناني على مستويات مرتفعة نسبيًا من الثقة، ما يعكس دوره المُتصوَّر كمؤسّسة وطنية وعامل استقرار.ويأتي ذلك في مقابل مستويات متدنية من الثقة بالحكومة. غير أنّ الكثير من الأسر اعتمدت على جهات بديلة عن المؤسّسات الرسمية لتلبية احتياجاتها الفورية. ففي أوائل العام 2026، أفادت الغالبية الساحقة بعدم تلقي أيّ دعم، ومن بين أولئك الذين تلقّوا مساعدات، أتت هذه الأخيرة في الغالب من الأحزاب السياسية أو شبكات المغتربين أو جهات غير حكومية أخرى، لا من الدولة.

     

    يشير ذلك إلى دينامية واضحة: في حين يُنظر إلى الدولة على نطاق واسع باعتبارها المسؤولة عن التعافي وإعادة الإعمار، إلا أنّها لا تُعتبر عمليًا المزوّد الرئيسي للدعم. بل يُنظر إلى المساعدات على أنها مجزّأة وغير متكافئة، ما يعزّز الفوارق في القدرة على الوصول إلى الدعم ويعمّق الاعتماد على الهياكل غير الرسمية.

     

    وتطرح هذه الأنماط تساؤلات مهمّة حول دور الدولة وحضورها في السياق الراهن. فحتى مع تطوّر جهود الاستجابة، تظلّ الفجوات القائمة مسبقًا في الثقة وتقديم الخدمات والتنسيق عوامل أساسية في تجربة المواطنين لجهة تلقّي الدعم. ولا يقتصر التحدي على القدرات فحسب، بل يتعلّق أيضًا بالمصداقية، أي ما إذا كانت المؤسّسات تُعدّ قادرة ومستعدّة للاستجابة بطرق متسقة وعادلة وملموسة في حياة الناس اليومية.

     

    ضغوط اجتماعية ومستقبل غير مضمون

    إلى جانب الصعوبات المادية وانعدام الأمن، خلّفت الأزمة أيضًا آثارًا اجتماعية ونفسية عميقة. فبحلول أوائل العام 2026، ترسّخ شعور واسع بالضيق في المجتمع اللبناني، ما يعكس التأثير التراكمي للأزمات الممتدة واستشراف المزيد من عدم الاستقرار. وقد أفادت الغالبية الساحقة من المستجيبين بأنّ النزاع أثّر على صحّتهم النفسية أو صحة أفراد عائلاتهم، ما يدلّ على عمق هذه الضغوط ونطاقها الواسع.

     

    وكانت المشاعر السلبية واسعة الانتشار، حيث أشار المستجيبون في الغالب إلى إحساس باليأس والإحباط والخوف. كما عكست مجموعات النقاش هذه النتائج، إذ وصف المشاركون حالة دائمة من القلق وعدم اليقين والاستنفار المستمر. وحتى في المناطق الأقل تعرّضًا للعنف المباشر، ظلّ هذا الشعور بعدم الارتياح قويًا، متأثرًا بالسياق الوطني العام من عدم الاستقرار وبالطابع غير المتوقّع للأحداث. وكما أوضحت احدى الشابات من جبل لبنان: "قلبي دائمًا يخفق بسرعة (...) نشعر دومًا بالقلق".

     

    في الوقت نفسه، ظلّ الوصول إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي محدودًا للغاية. إذ أفاد عدد ضئيل جدًا من المستجيبين بأنهم طلبوا مساعدة مختصّة، حيث شكّلت الكلفة ومحدودية التوافر والوصمة الاجتماعية عوائق رئيسية. وفي غياب الدعم الرسمي، اعتمد كثيرون على آليات تكيّف غير رسمية، بما في ذلك شبكات الأسرة، أو كبت المشاعر، أو تعديل السلوك للتعامل مع الضغوط المستمرة.

     

    وقد أثّرت هذه الضغوط أيضًا في الديناميات الاجتماعية بطرق أكثر تعقيدًا. فعلى الرغم من بروز مظاهر تضامن خلال فترات النزوح، ظلّ التماسك الاجتماعي هشًّا وغير متكافئ. وقد أفادت نسبة ملحوظة من المستجيبين بأنّ هذا التماسك تراجع بعد وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. كما عكست المعطيات النوعية هذا التباين: فبينما تحدّث بعض المشاركين عن دعم مجتمعي قوي، شكّك آخرون في عمقه، معتبرين أنّ مظاهر الوحدة كانت في بعض الأحيان سطحية أكثر ممّا هي صادقة فعليًا.

     

    ويطال هذا الشعور بالضغط نظرة الناس إلى مستقبلهم في لبنان. فبحلول أوائل العام 2026، كانت مستويات التفاؤل بشأن الإصلاح والتعافي محدودة بالفعل، إذ عبّر عددٌ أكبر من المستجيبين عن تشاؤمهم مقارنة بمن أبدوا أملًا. وفي الوقت نفسه، أصبحت الهجرة خيارًا مطروحًا بقوة لدى الكثير من الأسر، ما يعكس ليس فقط قرارات فردية، بل أيضًا تصوّرات أوسع حول ضيق الفرص واستمرار حالة عدم اليقين.

     

    ولا تزال الضغوط الاقتصادية المحرّك الأساسي للتفكير في الهجرة، إلا أنّ المخاوف الأمنية حاضرة في هذا السياق أيضًا. وتبدو هذه الديناميات أوضح لدى الفئات الشابة، التي وصفت تناميًا في الشعور بانسداد الآفاق وصعوبة التخطيط للمستقبل. وكما أشار أحد المشاركين من الضاحية: "تأثّر مستقبل الشباب (...) طريقهم مسدود. أنا واحد من هؤلاء". في هذا السياق، لم يعُد يُنظَر إلى مغادرة البلاد كفرصة فحسب، بل باتت تُعتبر بشكل متزايد استراتيجية تكيّف ضرورية للبقاء في ظل الخيارات المحدودة للغاية.

     

    تشير هذه الديناميات إلى مجتمع يرزح تحت ضغط نفسي واجتماعي مستمر، حيث يمتدّ عدم اليقين ليطال التوقعات بشأن المستقبل. فالتأثيرات التراكمية للضغوط الاقتصادية وانعدام الأمن وضعف الدعم المؤسّسي لا تؤثّر في طريقة تكيّف الناس اليوم فحسب، بل أيضًا في تصوّرهم لمكانتهم في البلاد في المستقبل.

     

    الخلاصة

    تعكس النتائج التي يستعرضها هذا المقال وضع لبنان في لحظة مفصلية، عشية العدوان الإسرائيلي المتجدّد في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026. فهي تشير إلى مجتمع يعاني أساسًا من ضغوط كبيرة، حيث أصبحت الصعوبات الاقتصادية وانعدام الأمن وضعف الثقة بالمؤسّسات سمات راسخة في الحياة اليومية. وقد نتجت هذه الديناميات عن أزمات متداخلة وممتدّة أضعفت تدريجيًا قدرة الأسر على الصمود وكذلك إمكانيات الدولة.

     

    في هذا السياق، يمكن فهم التصعيد الأخير بشكل أدق على أنّه تفاقم للوضع القائم وليس قطيعة معه. إذ تتكشّف آثار التصعيد ضمن بيئة كانت فيها أوجه الهشاشة متجذّرة بالفعل، في ظلّ تآكل القدرة على تحمّل صدمات إضافية إلى حدّ كبير.

     

    وعبر مختلف القطاعات، يبرز نمط مشترك يتمثّل في انتقال عبء إدارة الأزمة بشكل متزايد إلى الأفراد والمجتمعات. إذ تتعامل الأسر مع تراجع سُبُل عيشها وانعدام الأمن من خلال استراتيجيات تكيّف فردية، في حين تبقى أنظمة الدعم مجزّأة وغير متكافئة. وفي الوقت نفسه، تظلّ التوقعات من الدولة مرتفعة، بالرغم من محدودية الثقة بقدرتها على تلبية هذه التوقعات.

     

    وتسلّط هذه الديناميات الضوء على توتّر أساسي يطبع المرحلة الراهنة، يتمثّل في الفجوة بين المسؤولية والقدرة على تلبية الاحتياجات، وبين التوقعات والتجربة الفعلية. ومن المرجّح أن يحدّد تطوّر هذه الفجوة مسار جهود الاستجابة على المدى القريب، وكذلك آفاق الاستقرار والتعافي والثقة العامة على المدى الأوسع.

     

    ومع استمرار حالة عدم اليقين في لبنان، بما في ذلك وقف إطلاق نار هشّ جديد، توفّر هذه المعطيات التي جُمِعَت قبل التصعيد المتجدّد منظورًا أساسيًا لفهم الضغوط التي تتكشّف اليوم، والقيود التي تتشكّل في ظلّها الاستجابات.

    ديما سمَيْرة

    ديما سمَيْرة أستاذة محاضرة في الدراسات السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت، وباحثة زائرة أولى في جامعة كينغز كوليدج لندن. تحمل درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة دورهام، ومتخصصة في دراسات السلام والنزاع. وقد شغلت سابقاً منصب المديرة التنفيذية وعضو مجلس إدارة في جمعية "لنعمل من أجل المفقودين" (ACT).

اشتركوا في نشرتنا الإخبارية
شكرًا للإشتراك في نشرتنا الإخبارية